عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 06 كانون الثاني 2016

جونية خطفت قلبي وعيونُ العذراء تودّعني

بيروت 3.. كتب: محمد مسالمة

صيّادٌ طاعنٌ في السن وجدت نفسي على مقربةٍ منه، شاهدته يحملُ صنارته ويأخذ مكاناً آمناً على صخور الشاطئ المنحدرة قليلاً، تبللت وأصبحت لزجة بماء البحر البارد، الموج عالٍ، ونور الشمس لم يصل الى الارض بعد،  وقفت على بعد عدّة امتار منه، اتأمله، أرى صنارته تناطع الموج لتلتقط الاسماك... يقترب ويرميها عندما تهدأ المياه، ويبتعد مسرعاً اذا أغار عليه البحر، وكأن الأمواج تدافع عن مكنونٍ في ثناياها!

هديرُ البحرِ لم يمنحه الفرصة كي يدرك أن حوله أحد، وما أن أصبحت سلّته نصف ممتلئه بغنائمه، جلس ليرتاح، نظر خلفه، رآني وضحك.. طرحت عليه السلام وأقتربت منه فحذّرني من لزوجة الصخور، التقطت بعض الصور، وعدت كما أمرني للوراء، لأجد "رنا" حضرت من الفندق الى الشاطئ.

جلسنا قليلاً حتى اختالت اشعة الشمس جبال المدينة "جونية"، وتمايلت باهدابها من منطقة "حريصا" حتى وصلت الساحل، ذهبنا نتجوّل في شوارع جونية، ننظرُ الى مبانيها القديمة التي تعود بزائرها الى تاريخٍ بعيد، وفي نظرة عميقة عادت في خيالي ليالٍ حالمة عاشها هذا المكان، تترامى المقاهي على جوانب طرقاته، وجلسات السهر تسامر القمر كل ليلة.. تسير خواطتي على وقع الحان الموسيقى الشرقية.. وكل خطوة تتبعها أخرى ممزوجة بلهفة، فالخطوة الثالثة تزداد روعة عن السابقتين.

جونية خطفت قلبي، عروس البحر تتربع على الشاطئ، نسير الى جانب مبانٍ قديمة ارتاحت لوجودها هنا، أرى من خلال نوافذها زرقة البحر، وتصلني منها رائحة الماء على نسمة هواء بطابع الصباح العذب.. هذه مدينة جونية الفاتنة، مرصّعة بحجارة قديمة، وقصورها التاريخية لها شرفة صغيرة تطل على الشارع، تتدلى منها الورود. 

عدنا الى الفندق وأحضرنا فاكهة الكاكا أو باللبناني "الخرمة" التي اشتهتها رنا، التقينا هناك ضيوف جدد، جاؤوا مع الزميل جو لنستفيد منهم في عملنا، جلسنا ككل يوم ننجز مهامنا بروعة المقيمين.. وما ان انتهينا حتى ذهبنا نتناول الغداء وبدأت الشمس تحيد عن منتصف النهار.

سنستغل نصف اليوم ونذهب الى مكان نراه كل يوم من بعيد، قمة جبل "حريصا"، تبدو منه أجمل صورة لجونية وبيروت.. الذهاب الى القمة سيكون عبر "التلفريك"، انا وشادي ورومي، وتسبقنا رنا برفقه علي وباسل وحسن.. في الطريق الطويل الى الجبل المرتفع نقاطع الشارع الرئيسي لجونية ولكن في الهواء، نرى المركبات والناس من فوقهم يبدون اقل وضوحاً كلما ارتفعنا.. أنظر الى الجبل الشاهق تغطيه الاشجار الخضراء، وكأنه رئة المدينة يمدّها بالاكسجين يومياً، ويمنحها الأمان ويحميها ويقوّي عزمها وعزيمتها، اما على الجهة المقابلة، الساحل اكثر جمالاً وروعة، فالصعود الى الجبل يلخّص كل معالمه ويضعه امام عيني.

نلتقط الصور ونضحك ونمازح العلو في سيناريوهات العقل السيئة لنفسية الخائف، فأنا وبصراحة لم اجرب "التلفريك" من هذا العلو! وصلنا بسلام، أشهق كما رنا وعلي وحسن وباسل من جمالية المكان، وروعة النظر الى الساحل، الشمس تميل كل دقيقة وتنعكس خيوطها على سطح البحر، ليصلنا الشعاع من بعيد. نحن الان نطل على خليج جونية مباشرة. نقف بجانب تمثال سيدة لبنان "مريم العذراء" المنصوب في اعالي الجبل، تطل العذراء على جونية، تخاطبها ويتبادلان الحديث بصمت، تمثالها يزن 15 طناً، يرتكز فوق كنيسة صغيرة في قاعدته.. يبدو أنه مزار سياحي مهم، يصله الزوار من جنسيات مختلفة "عرب واجانب"، ويتعبدون كلٌ على طريقته لروعة هذا المنظر.

ما زلت التقط الصور حتى غابت الشمس بأحلا ما عندها، ودّعت حريصا وأظلم المكان على فنجان قهوة.. الشمس تهبط خلف البحر بهدوء وكأن شيء ما سأفقده، انتهى اللقاء ودعت المكان وعدت في سلّتنا التي جئت على متنها، الأنوار الزاهية تضحك لي كلما اقتربت من جونية، وعيون العذراء تودعني وتترقب وصولي الى الساحل بسلام !