القائد !!
سؤال عالماشي - موفق مطر

ما يميز القائد العقلاني الحكيم عن القائد الرغبوي، أن الأول معني بالحفاظ على المصالح العليا للشعب وتأمينها، فيحميها من إغراءات السلطة، ولا يكترث إلا لصوت ضميره، وقاضي محكمة التاريخ، وصورة التواضع أمام المواطن الذي منحه الأمانة على القرار، وكذلك صورة الاحترام بلا حدود لروح وحق الإنسان في الوطن بالحياة بحرية وكرامة وعزة وشرف وعدل ومساواة، أما القائد الرغبوي- نسبة للرغبة بالتسلط المتمكنة في نفوس بعض الذين وصلوا أو تم توصيلهم إلى مراكز القرار أو التشريع أو الهيئات التنفيذية، بالصدفة أو عبر وسيلة ديمقراطية صحيحة أو تمكينهم منها بخداع الجماهير، فاهتمامه مركز على الحفاظ على مكانته وصورته ومصالحه المرتبطة بمصالح فئة محددة من الشعب، فهذا الرغبوي معني بمكاسب - أو ما يظنها كذلك – يجنيها من وراء قرارات غير مدروسة، وسياسات تترك للعابثين وغير المكترثين بأرواح ودماء ومقدرات ومعاناة الشعب مهمة تطبيقها، وهؤلاء بدورهم يتفننون في ابتداع الوسائل التي تجعلهم محط الأنظار حتى لو كان الثمن تضحيات بشرية ومعاناة إنسانية ودمار في مناحي الحياة كافة بدون إنجاز وطني يذكر.. فالموت المجاني العبثي والمعاناة والدمار، والاستثمار بدماء أبناء الوطن هو رصيد هذا القائد الرغبوي السلطوي، أما القائد الحكيم فرصيده الحقيقي، الحياة الكريمة للشعب المتأصل على مبدأ الكرامة، والكرم والجود المستحق للوطن، شعب لا يبخل ولن يبخل في (اللحظة المناسبة) عن دفع الثمن المعقول والمطلوب للحرية والاستقلال وتحرير المقدسات.
القائد الحكيم ونموذجنا هنا الرئيس محمود عباس أبو مازن قائد حركة التحرر الوطنية الفلسطينية، تعني واقعيته السياسية التمسك بثوابت الشعب ومبادئه وأهدافه البعيدة المدى، وانتهاج السبل والوسائل المؤكد نجاحها بالعلم ومن تجارب الشعوب المريرة، والمنسجمة مع خصوصية الحق الذي يناضل على رأس شعبه من اجل انتزاعه من الغزاة والمستعمرين أو المستبدين الظالمين، يفكر يقرأ، يبحث، يستشير، يحسب بدقة الخبير في علوم الرياضيات مكانة قضيته وقوتها الحقيقية المادية الملموسة وليس المتخيلة في المعادلة فيقرر، وهو يعلم أن الندم بعد القرار يفقده ليس الرصيد الشعبي وحسب، بل عقد الثقة مع الذات الإنسانية المعرفية الخبيرة التي لا بد من توفرها كأول سمة للقيادة.
القائد الحكيم يدرك جيدا أن انتزاع حق الشعب يقتضي الخوض في حقول ألغام متشابكة، زرعتها منظومة استعمارية دولية عميقة، وأن الوصول للحق يتطلب نزع ألغام معقدة التركيب، وفك شيفرات الرسائل السرية بين المُشَغِل والمُسْتَخدَم، بين المستعمر الذي قرر إنشاء كيان (إسرائيل) كقاعدة متقدمة، وبين الذين ارتضوا في تاريخهم أن يكونوا أدوات وسخرة عند المستعمرين، ويدرك أيضا أن انتزاع الحق التاريخي والطبيعي يتطلب عقلا مفكرا ومبدعا وقادرا على استخلاص العبر والنتائج واستيعاب مقتضيات النضال في المسارح والميادين المفتوحة بدءاً من (أرض الوطن) مرورا بالسياسة، والقانون، والدبلوماسية والحقوق، والثقافة والاقتصاد، والديمقراطية، وقيم التحرر والعدالة والمساواة، والبناء، فيبدو العمل الوطني كمجموعة شمسية يدور كل كوكب حول (شمس الحرية والتحرر) بالتوازن المرسوم والمطلوب دائما لضمان حيوية وديمومة الحق، وصولا إلى يوم الحرية.
القائد الحكيم أبو مازن لا يراهن إلا على إرادة الشعب الفلسطيني، وإيمانه، وإخلاصه في العطاء اللامحدود والنفس الطويل في الصبر والصمود، وإبداع وسائل المواجهة والمقاومة المشروعة إنسانيا وقانونيا مع المحتلين والمستعمرين الإرهابيين الفاشيين المستخدمين، يراهن على الشعب الفلسطيني، لكنه يرى أن لهذا الشعب عمقا عربيا قوميا وعمقا إنسانيا لا بد من تأكيد وتثبيت الوصل والتواصل معه، على مرتكز الثقة العالية بقدرات الشعب وقواه الوطنية المؤتلفة على برنامج وطني واحد، على السير قدما في أحلك المسارات وأصعبها، وتجاوز المفاصل المصيرية، وتطبيق القرارات التي يراد منها كتابة صفحة جديدة في تاريخه الوطني.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل