"بغداد 2".. شراكة أم إعادة تموضع؟

اللافت في مؤتمر الشراكة لدعم العراق الذي عقد في العاصمة الأردنية عمان هو مشاركة وزير الخارجية الإيراني أمير عبداللهيان ودعوته الى حوار استراتيجي بين دول المنطقة، خاصة أن طهران متهمة من دول عربية عدة بالتدخل في شؤونها الداخلية، ودعمها لقوى سياسية وتشكيلات عسكرية تساهم في بعض النزاعات المباشرة، في حين أن معظم الملفات العالقة لم تحل بعد، وهي تؤثر في مسار الأحداث والنهايات التي يصعب توقعها، ومن غير المرجح أن يكون هذا المؤتمر حاسما لجهة تحقيق مكاسب جوهرية تتعلق بالشأن العراقي، وما يمكن تقديمه من دعم لبغداد. حيث بدت مواقف الدول المشاركة متباينة ليس لجهة الإعلان عن دعم بغداد، ولكن لطبيعة تلك المواقف الداعمة. فالمملكة العربية السعودية، وعبر وزير خارجيتها عبرت عن رفض الاعتداءات التي يتعرض لها العراق، وهي تشير الى القصف التركي الإيراني لمناطق في إقليم كردستان العراق بحجة وجود مجاميع مسلحة كردية تهدد الأمن القومي للدولتين الكبيرتين،
المهم بالنسبة للعراقيين هو الاستمرار في المحاولة لتجاوز المرحلة الانتقالية التي نتجت عن احتلال أميركي مباشر عام 2003، وما نتج عنه من كوارث سياسية وأمنية واقتصادية، وتدخلات خارجية، وغياب للرؤية، وعدم استقرار، وتهديد للأمن الإقليمي، وهذه المحاولات ترتبط بمواقف الدول العربية والإقليمية، ومواقف الدول الكبرى كالولايات المتحدة وشريكاتها الأوروبية التي مثلت في مؤتمر "بغداد 2" التي لا تزال تعبر عن دعمها لاستقرار العراق، غير أن العقبة الكأداء في هذا السبيل هو عدم الوصول الى اتفاق دولي وإقليمي يضمن مصالح دول عدة لا تستطيع العبور الى المرحلة التالية، وهي غير واثقة من نتائج الصراع، وعدم الوثوق بالخصوم. فالجميع يتحين الفرصة لتحقيق مكاسب على الأرض خاصة أن تنازل طرف لا يضمن وجود تنازل مقابل، وهذا وحده كاف لدوام المشكلة، وإضعاف احتمالات تحقيق فائدة فعلية للعراق الذي يبحث عن ظروف تتيح له النجاح في التحول من دولة مرهقة سياسيا وأمنيا واقتصاديا الى دولة ناجحة، وتتمكن من الانتقال الى مرحلة أفضل، وهذا ما يدفع بمراقبين الى عدم الإفراط بالتفاؤل.
التحولات في الصراع صادمة، ومعظم الدول تعاني من أزمات سياسية ومجتمعية واقتصادية، مع استمرار صراع الأقطاب، والحرب في أوكرانيا، وهذا الأمر يصعب إمكانية أن يكون هناك توافق كامل حول الملف العراقي، فتركيا وإيران شريكتان في رسم خارطة إقليمية جديدة، ودول الخليج ودول عربية أخرى ترى في إيران وتركيا تهديدا لأمنها القومي بسبب الطموحات المتعاظمة لهما، في حين لا يثق الأمريكيون بالدور الإيراني، ويعدونه مقلقا حتى مع التقارب العربي مع روسيا والصين، وهما دولتان تربطهما بإيران مصالح مشتركة، ومواجهة مع واشنطن والغرب، ويمكن أن يكونا ضامنين لأي توافق، أو اتفاق محتمل بين دول عربية كالسعودية والإمارات مع إيران، ومثال ذلك الحوار بين طهران والرياض في بغداد، والعلاقات المتنامية بين الصين والدول العربية التي تأطرت بقمم الرياض الثلاث، وما نتج عنها من اتفاقيات اقتصادية مثلت تحولا صادما أثار حفيظة واشنطن التي تحاول جمع شتاتها وتغيير بعض المسارات، وربما إعادة التموضع من أجل التحضير لمواجهة مقبلة، وهو هاجس لا يغادر بقية البلدان التي دخلت في خضم صراع مستمر لا تعرف له نهاية واضحة خاصة أن الأزمات لا تزال تتصاعد، والظروف غير مواتية لحلول نهائية للملفات العالقة، وربما لن تستفيد بغداد حاليا، ولكنها ترمي لتحقيق مكاسب تؤهل لوضع جديد مختلف يقوي من موقفها في المستقبل ويساعد في استعادة دور محوري في المنطقة والعالم.
-------
* كاتب عراقي