سيرة مخيم..
حنان باكير
ان تحكي بعضا من سيرة مخيم، يعني ان تحكي سيرة وطن. لأن الفلسطيني اعتاد أن يبني وطن الحكايا، أينما حلّ او ارتحل. العيش في المخيم شرف لا أدّعيه، لكن توحدي بتفاصيله، يمدني بشعور الولاء لكل زقاق فيه. أولى علاقاتي بمخيم برج البراجنة، كانت مع اخي الكبير، يوم بدأ معي دروس اللجوء والتشرد، وفقدان الوطن. يومها رأيت تلال رمل احمر، تتوضع على مرتفعاتها وسفوحها خيم كاكية اللون. يومها لم يشد انتباهي، سوى تفكيري بهؤلاء الاطفال الذين يلهون ويتدحرجون عن التلال، وكيف انهم لا يخشون عقاب امهاتهم بالتمرغ بالرمل.
لاحقا عرفت، تقسيم المخيم الى احياء، تحمل اسماء القرى الفلسطينية. جورة التراشحة، حي الكويكات، الكابري، الصفصاف، سعسع، وشعب.. بحسب توزيع السكان. في تلك المرحلة، ذاق السكان طعم المذلة والاضطهاد غير المبرر، من الاجهزة الامنية. وعاش المخيم، في عزلة عن محيطه. "غيتو" مغلق على الوجع والعوز. ثم بدأنا بسماع العديد من القصص المضحكة عن تلك المرحلة، والتي لم تكن كذلك في حينها. ابو محمد، الذي طارت خيمته بفعل العاصفة، وكان في وضع حميمي مع زوجته، ومدى الإحراج الذي لحقه.
عندما سُمح للفلسطيني ببناء بعض الجدران الاسمنتية او الطينية، لم يسمح له الا بسقف من الزينكو. لا مجارير في البيوت، والغرامة المالية، بانتظار من يُرى امام بيته ماء التنظيف!! ناهيك عن الاعتقالات التعسفية، حيث تحلق شعور الشباب "عالقرعة"، كنوع من الاذلال، وكسر مشاعر الاعتداد بالنفس.
لكن شعلة الثورة التي أضاءتها حركة فتح.. قلبت حياة الناس، والمخيم غيّر اسمه وصار "معسكرا". تنفس الناس الكرامة، بنوا البيوت الحجرية لأول مرة في تاريخ لجوئهم، وتحولت المعسكرات الفلسطينية موئلا لأحرار العالم. انفتح مخيم برج البراجنة على مصراعيه، مستقبلا اخوانه العرب، من كل الجنسيات، من لبنانيين وعراقيين وليبيين ومصريين.. فتعمد الدم العربي والفلسطيني بمعمودية النار. وتوطدت العلاقات بالمصاهرة. بلغت العزة بالنفس عند بعض اهل المخيم، الى الحد الذي كنا نُعتبر فيه " من غير نسيج المخيم"!
مع بدء الحرب الاهلية العام 1975، توالت الاحداث المؤلمة، على كامل الوطن اللبناني، ووجد الفلسطينيون أنفسهم طرفا في حرب بلا ضمير. كانت تجربة أليمة للشعبين.
يعترف العديد من سكان برج البراجنة، بحالة الانتعاش التي عمت المنطقة، بوجود الفلسطينيين، في تلك المرحلة، بما ضخوا من اموال. لكن البعض وأعني القلة، قد غيّرت موقفها بعد خروج الفلسطينيين، كنتيجة للاجتياح الاسرائيلي العام 1982. أحد الاشخاص الذي أعرفه شخصيا، في المنطقة، وكنت اعرف كيف استفاد من الثورة، وانه بنى بيتا واشترى شاحنة يعمل عليها. وفجأة ظهر في برنامج تلفزيوني، يلعن الفلسطينيين وينعتهم بـ "الزعران".
أما الصدمة فقد كانت من إعلامي بارز، أعطى ابنه اسم ياسر، تيمنا بالشهيد الرمز. وكان ان حصل على هدية قيّمة. المسدس الشخصي لأبي عمار، ومبلغ مئة الف ليرة لبنانية، كانت تكفي لشراء بناية كاملة في بيروت. ذلك الاعلامي كان اول من أبرز مخالبه، للنيل من أولي نعمته من الفلسطينيين، من خلال برنامج تلفزيوني.
لكن.. وفي ظاهرة حضارية غير مسبوقة، اعتذر سفير فلسطيني سابق في لبنان عن الأخطاء التي ارتكبها الفلسطينيون بحق لبنان والشعب اللبناني. وردّ تجمع للقوى المسيحية آنذاك، باعتذار مماثل عن الاضطهاد والإذلال الذي تعرض له الفلسطينيون، داعين الى اعتبارها تجربة أليمة، ولن تتكرر.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل