عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 آب 2022

غاندي فلسطين ما عاد أيوبها!

د. رمزي عودة

تعرض ويتعرض الرئيس أبو مازن لحملة تحريض عنصرية من قبل دوائر صنع القرار في إسرائيل وغيرها من الدول الغربية، وذلك بذريعة تصريحاته التي أُدلى بها خلال مؤتمر صحفي مشترك مع المستشار الألماني أولاف شولتس في برلين. وحاولت هذه الدوائر أن تصور الرئيس على أنه ينكر المحرقة ويدعم الإرهابيين!. وفي الوقت الذي هدفت فيه هذه الدوائر إلى إضعاف شرعية الرئيس والمساس بمتانة حكمه، فإن الرياح ليس دائماً تجري بما تشتهي السفن. ففي آخر استطلاع للرأي نفذته الحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبرتهايد شمل النخب الأكاديمية والمثقفة، حيث أعربت أغلبية هذه النخب بواقع 61.9% عن اعتقادها بارتفاع شعبية الرئيس بعد تصريحاته في ألمانيا، كما رأى 61.1% من هذه النخب بأن الموقف الفلسطيني جاء موحداً ومتجانساً في الرد على هذه الحملات العدائية ضد الرئيس، وهو الأمر الذي انعكس بوضوح في استقباله الجماهيري عند عودته من ألمانيا كما انعكس أيضا في بيانات التأييد الصادرة من القوى السياسية المختلفة فلسطينيا وعربيا ودوليا. وفي الواقع، يمكن تعلم عدة دروس مهمة وهي هذه المسألة:

أولاً: إن الشعب الفلسطيني تماما كباقي الشعوب، يلتف حول قيادته ويتماسك داخلياً إذا ما تم المساس بالكرامة الوطنية من قبل الدول الأجنبية.

ثانياً: إن شعبية الرئيس أبو مازن قد ارتفعت بشكل ملحوظ بعد المؤتمر الصحفي في برلين، حيث ظهر الرئيس في المؤتمر الصحفي مدافعا على نحو بليغ عن حقوق الشعب الفلسطيني، والشجاع القادر على فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي، معتزاً بمقاومة شعبه لنيل الحرية والاستقلال.

ثالثاً: إن الحملة الإسرائيلية العدوانية ضد الرئيس أبو مازن في برلين، ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في إيصال صوت الرئيس للعالم بأسره، والذي فضح جرائم الاحتلال ومجازره ضد الشعب الفلسطيني، حيث وصلت هذه التصريحات إلى وسائل الاعلام العالمية كافة وسمعها الملايين.

من الواضح أن الرئيس أبو مازن كان حازماً وشجاعاً في ألمانيا، ويبدو أنه قد نفد صبره، ولم يعد يحبذ أن يطلق عليه لقب "أيوب فلسطين". بهذه العبارة أسر لي أحد الدبلوماسيين الأجانب تعقيباً على كلمة الرئيس في المؤتمر الصحفي المشترك مع المستشار الألماني أولاف شولتس في برلين.  ويبدو أن تعليق هذا الصحفي أخذته الدوائر الغربية والإسرائيلية بمحمل الجد. فالرئيس الفلسطيني هو الرئيس الوحيد في العالم الذي قال لترامب "لا" عندما سعى لفرض صفقته لتصفية القضية الفلسطينية، التي عرفت بصفقة القرن. والرئيس أبو مازن ما زال يرفض بإصرار وشجاعة الضغوط الدولية عليه لعدم دفع رواتب الأسرى وعائلات الشهداء حتى لو كان الثمن وقف الدعم الغربي أو وقف تحويلات المقاصة للخزينة الفلسطينية. والرئيس أبو مازن دائماً ما يصر على المضي قدماً في بناء الدولة الفلسطينية في شتى المجالات التعليمية والصحية والأمنية والاقتصادية برغم شح الإمكانات ووجود الاحتلال الكولونيالي الإحلالي. وهو أيضا الرئيس الذي يصر على حق العودة للاجئيين الفلسطينيين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، برغم محاولات التهويد والتطبيع المستمرة في المنطقة.  إنه زعيم المقاومة الشعبية في فلسطين الذي أحرج إسرائيل في المحافل الدولية، ورفع القضايا عليها في الجنائية الدولية، وانضم لاتفاقيات دولية لم تكن الولايات المتحدة ولا إسرائيل راغبة في انضمام دولة فلسطين إليها. إنه أيقونة المقاومة الشعبية وصاحب نظرية التوافقية في النظام السياسي الفلسطيني، إنه أبو مازن "غاندي فلسطين" وليس أيوبها.

ويعود وصف وزير المالية الإسرائيلي "ليبرمان" الرئيس أبو مازن بأنه دبلوماسي إرهابي لأنه رأى فيه خطرا حقيقيا على دولة إسرائيل الاحتلال والعنصرية كما يعود الموقف العدمي لنفتالي بينيت رئيس وزراء إسرائيل السابق على عدم الالتقاء بالرئيس أبو مازن طيلة فترة رئاسته للحكومة؛ لأنه يدرك أنه لن يستطيع أن يزيحه قيد أنملة عن الثوابت الوطنية الفلسطينية. لقد بدا واضحاً للجميع بأن الرئيس أبو مازن جمع بين حكمة الثوار وبين عنادهم ومقاومتهم للمحتل. ولم يعد الرئيس يطيق صمت العالم أمام الجرائم الإسرائيلية ضد شعبه وإحتلال وطنه. دعا ودعم المقاومة الشعبية ضد الاحتلال، ودعم الجهود الدبلوماسية في الاعتراف بدولة فلسطين. نال احترام العالم وثقته، احترم القانون الدولي ولكنه أوضح أن إسرائيل هي التي تنهكه، اعتبر السلام طريق الدولة المستقلة، ولكنه أدرك أن اسرائيل ليست شريكا حقيقياً للسلام فدعا إلى المقاومة الشعبية، وحقق مع أبناء شعبه في دروب المقاومة الشعبية إنجازات مهمة في الشيخ جراح والخان الأحمر وغيرها من المناطق الفلسطينية التي تتعرض للأبرتهايد. ودائما كان يتحدث بجرأة أمام العالم بأسره عن سكوت العالم عن "الإيكاب الإسرائيلي" وهو المفهوم الذي يلخص سياسات التطهير والتمييز العرقي من قبل الاحتلال الإسرائيلي ضد أبنائه من الشعب الفلسطيني.