عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 27 آب 2022

من الأدب الأوردي

سعادت حسن منتو

 سكينة

غادر قطار خاص أمريتسار عند الساعة الثانية بعد الظهر وبعد ثماني ساعات وصل الى موغالبورا، لاهور. خلال الرحلة، قتل العديد من الرجال وكثير آخرون جرحوا وهامَ آخرون على وجوههم في اتجاهات عدة.

كانت الساعة العاشرة صباحا عندما فتح سراج الدين عينيه وهو مستلق على أرض المخيم الباردة، ليرى نفسه محاطا ببحر هائج من الرجال والنساء والأطفال. قدرته على التفكير وإدراك ما يجري تضاءلت. كانت ثمة جلبة واضطراب في كافة أنحاء المخيم. لكن العجوز سراج الدين أصم أذنيه. لم يكن ليستطيع أن يسمع شيئا. لو نظر إليه أحدهم لظنه غارقا في تفكير عميق. لكنه سيكون مخطئا. أحاسيسه كانت خدرة. كان كيانه برمته يبدو أنه معلق في الفراغ. كان يحدق بتركيز في السماء الكئيبة عندما وقعت عيناه على الشمس. أشعة الشمس الحادة تخللت كل عصب في جسمه، فاستعاد أحاسيسه. تراءت له عدة صور في ذهنه.. نهب وسلب.. حريق... فوضى.. محطة قطار... اطلاق نار... ليل.. وسكينة.

فجأة هب سراج الدين واقفا كرجل مجنون، وشرع يخوض في بحر البشر المنتشر من حوله.

طوال ثلاث ساعات كاملة، كان يدور في أنحاء مخيم اللاجئين صارخا "سكينة.. سكينة"،  لكنه لم يجد أثرا لابنته الشابة والوحيدة. كان ثمة نوع من الهرج والمرج في كافة الأنحاء. كان هناك من يبحث عن طفله وآخر عن والدته، عن زوجته أو ابنته.

جلس سراج الدين مهموما ومنهكا وحاول أن يتذكر أين ومتى انفصل عن سكينة. حتى وهو يفكر في سكينة تركز اهتمامه على جثة زوجته منزوعة الأحشاء. لم يكن بمقدوره أن يفكر في شيء بعد ذلك.

والدة سكينة قتلت. لفظت أنفاسها الأخيرة أمام عينيه. لكن أين سكينة، التي قالت عنها أمها وهي تحتضر "دعني، خذ سكينة واهرب من هنا، الآن".

حينها كانت سكينة معه. كلاهما كانا يركضان حافيين. إنسل شال سكينة وسقط على الأرض. أراد أن يتوقف ليلتقط الشال، إلا ان سكينة صرخت فيه "دعه، بابا" لكنه تمكن من التقاطه.. واصل التفكير في هذا فنظر الى جيبه المنتفخ، مد يده في جيبه وسحب قطعة من القماش، وكان شال سكينة ذاته. لكن أين سكينة؟ هل اصطحب سكينة معه إلى محطة القطار؟ هل استقلت القطار معه؟ هل كان فاقدا للوعي عندما تم إيقاف القطار في الطريق عندما دخل الغوغاء وسيطروا على القطار؟ هل خطفوا سكينة وفروا بها؟

كانت أسئلة كثيرة تترى في ذهن سراج الدين، لكن دونما أجوبة. كان سراج الدين بحاجة الى من يشاطره أساه، لكن الآخرين المنتشرين من حوله كانوا أيضا بحاجة الى من يواسيهم. رغب في البكاء لكن عينيه لم تستجيبا. أين ذهبت دموعه؟

بعد ستة أيام، وبعد أن استعاد سراج الدين وعيه الى حد ما، التقى بضعة أشخاص كانوا مستعدين لمساعدته. كانوا ثمانية شبان. يملكون شاحنة ويحملون أسلحة. أمطرهم بدعواته ووصف لهم ملامح سكينة "فاتحة البشرة وجميلة على نحو استثنائي.. لا تشبهني بل تشبه أمها.. في السابعة عشرة من العمر.. عيناها كبيرتان وشعرها أسود. على خدها الأيمن شامة كبيرة.. انها ابنتي الوحيدة. اعثروا عليها بارككم الله".

الشبان المتطوعون، وبحماسة كبيرة، أكدوا للعجوز سراج الدين إن كانت ابنته على قيد الحياة فإنهم سوف يعيدونها إليه في غضون بضعة أيام. قاموا بانقاذ العديد من النساء والرجال والأطفال من نواحي عدة ونقلوهم الى أماكن آمنة. مرت عشرة أيام ولم يعثروا على سكينة.

ذات يوم، وعندما كانوا في عملهم التطوعي متوجهين على متن الشاحنة الى أمريتسار، شاهدوا بالقرب من شيهراتا فتاة على قارعة الطريق. عندما سمعت صوت الشاحنة جفلت الفتاة وروعت وشرعت بالفرار.

أوقف المتطوعون شاحنتهم وبدأ كل منهم في مطاردتها وتمكنوا منها في أحد الحقول. الفتاة كانت جميلة وثمة شامة كبيرة على خدها الأيمن. أحد الشبان قال للفتاة: "لا تفزعي، هل اسمك سكينة؟" صار وجه الفتاة أكثر شحوبا. لم تجب. عندما قام الشبان بمواساتها ومداهنتها تبدد بعض خوفها، وأقرت بأنها ابنة سراج الدين. أطعموها وقدموا لها الحليب وأجلسوها في الشاحنة. أحدهم خلع سترته وقدمها لها. ولأنها فقدت شالها كانت تشعر ببعض الارتباك وحاولت مرارا تغطية صدرها بيديها.

مرت عدة أيام.. وسراج الدين لم يسمع كلمة عن سكينة. أمضى أيامه يجول في المكاتب والمخيمات المختلفة، لكن أينما ذهب لم يحصل على أي خبر عن سكينة. وفي كل ليلة كان يصلي لله أن ينجح أولئك الشبان المتطوعون الذين أكدوا له إن كانت ابنته على قيد الحياة فانهم سيعثرون عليها خلال بضعة أيام.

ذات يوم، رأى الشبان في المخيم. كانوا جالسين في شاحنتهم. ركض سراج الدين بأسرع ما أمكنه للقائهم. كانت الشاحنة على وشك المغادرة عندما سأل أحدهم: "بني.. هل لديكم أي معلومات عن ابنتي سكينة؟"

أجمع الشبان على القول: "سنجدها، سنجدها" ثم انطلقوا. مرة أخرى صلى سراج الدين لله من أجل نجاح هؤلاء الشبان، ما خفف من همومه.

ذلك المساء، وفي المخيم حيث يجلس سراج الدين، سمع لغطا وهرجا. أربعة رجال كانوا يحملون شيئا الى المخيم. علِم سراج الدين بعد أن استقصى، انهم عثروا على فتاة غائبة عن الوعي بالقرب من سكة القطار، وان بعضهم جاء بها الى المخيم. تبعهم سراج الدين. سلموا الفتاة الى طاقم المستشفى وغادروا.

لبعض الوقت، كان يقف خارج المستشفى مستندا إلى عمود خشبي. بعدها، وببطء مشى بتثاقل داخل المستشفى. لم يكن ثمة أحد في الغرفة. كان ثمة حمالة مددت عليها جثة. تقدم سراج الدين نحوها بخطوات قصيرة جدا. وفجأة أنيرت الغرفة. سراج الدين، عند رؤيته الشامة الكبيرة على الوجه الشاحب للجثة، صرخ "سكينة!"

الطبيب، الذي هو من أنار الغرفة، سأله: "ما الأم؟"

الكلمات الوحيدة التي استطاع أن يخرجها من حلقه كانت "سيدي.. أنا.. سيدي.. أنا والدها".

نظر الطبيب الى الجثة الممدة على الحمالة. تفقد نبض الجثة وقال لسراج الدين: "افتح النافذة".

كانت ثمة حركة في جسد سكينة الميتة. بيديها الجامدتين فكت رباط السروال وأنزلته الى أسفل.

صرخ سراج الدين بفرح: "انها حية.. ابنتي على قيد الحياة".

عرق بارد تصبب في جسم الطبيب من رأسه حتى أخمص قدميه.

 

ترجمة واعداد: زهير رضوان

---------------

تعريف:

سعادت حسن منتو (1912 - 1955) كاتب هندي - باكستاني ومؤلف وكاتب قصص قصيرة ومسرحيات اذاعية وسيناريوهات أفلام. اعتبر من أشهر كتاب الاوردو في القرن العشرين وأكثرهم إثارة للجدل. كان نشطا في الهند إبان الحكم البريطاني وعقب تقسيم الهند انتقل الى باكستان.

كتب 22 مجموعة قصصية ورواية واحدة وعدة مسرحيات إذاعية وعمل في صناعة الأفلام الهندية في مومباي ككاتب سيناريو. عرف بقصصه التي تناولت المذابح الطائفية التي رافقت التقسيم عام 1947. حوكم ست مرات قبل الاستقلال وبعده لنشره قصصا اشكالية تناولت تجارة الجنس والدعارة وحياة المومسات. توفي في لاهور مريضا معدما.

لم تكن ثمة حدود لكتاباته، امتلك رؤية مختلفة سمحت له باقتناص التفاصيل الصغيرة في مجتمع المهمشين ما جعل القلة القليلة فقط من القراء حينها يعجبون بقصصه، لكن في العصر الحالي باتت كلماته وقصصه أكثر فهما وادراكا بما لا ينكر.

ولد منتو في العام 1912 لعائلة كشميرية مسلمة استقرت في امريتسار. كان والده قاضيا في محكمة محلية. تلقى تعليمه في ثانوية اسلامية وفشل في امتحان الالتحاق بالجامعة مرتين.

نقطة التحول الكبيرة في حياته جاءت إثر لقائه بالعالم والكاتب الإشكالي عبد الباري اليغ الذي اكتشف موهبته في الكتابة وشجعه على قراءة الأدب الروسي والفرنسي ودفعه إلى ترجمة روايات فكتور هوغو وأوسكار وايلد.

بدأت رحلة الكتابة لمنتو ولم تتوقف أبدا. وانطلق في رحلة النجاح في بومباي التي انتقل إليها عام 1940 حيث عمل في صناعة السينما وكتابة مسرحيات اذاعية.

انتقل إلى دلهي عام 1941 وعمل في إذاعة عموم الهند ونشر أكثر من أربع مسرحيات إذاعية كما كتب قصصا قصيرة ركز فيها الضوء على المعاناة اليومية للمرأة الهندية بغض النظر عن المهنة التي تمتهنها.

على أثر تقسيم الهند في العام 1947 انتقل مع عائلته الى لاهور في باكستان حيث واصل رحلته في الكتابة والنشر واشتهر بكتابة قصص جريئة تناولت تقسيم شبه القارة الهندية وما رافقه من أحداث مأساوية من قتل وحرق وتدمير وتهجير، فضلا عن تناوله نفاق المجتمع حيال أكثر المواضيع حساسية كسفاح المحارم واضطهاد النساء. وحوكم ست مرات في الهند وباكستان بتهمة الإساءة الى الأخلاق العامة.

عانى سعادت حسن منتو كثيرا في حياته وأدمن على شرب الكحول الذي كان سبب وفاته المبكرة. قضى الأشهر الأخيرة من حياته في "مصح عقلي" للعلاج من الإدمان، وفي المصح كتب رائعته "توبا تيك سنغ" التي تحولت إلى مسرحية وفيلمين قصيرين.

تدور أحدات قصتنا هذه والتي نشرت تحت عنوان "افتحي" إبان فرار عشرات الآلاف من المسلمين من أمريتسار الى لاهور وعن عمليات القتل والاغتصاب التي رافقت ذلك، ليس من طرف أبناء المجتمع الآخر فحسب بل حتى من أبناء المجتمع ذاته. ومن الواضح ان سكينة تعرضت لاغتصاب جماعي مرارا قبل وفاتها. وعندما طلب الطبيب من سراج الدين "فتح" النافذة – لنتانة الجثة ربما – تحركت الجثة و"فتحت" عقدة الحبل الذي يربط سروالها لنستدل من ذلك بأنها اعتادت في أيامها الأخيرة الى الانصياع الى هكذا أمر، في لقطة عدت من قبل النقاد بأنها قد تكون أول إشارة الى ما بات يعرف فيما بعد بالواقعية السحرية.

توفي سعادت حسن منتو في لاهور عام 1955 لإصابته بمرض في كبده تاركا إرثا لا يمحى.