عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 31 تموز 2022

لا.. للتريتاروس

تغريدة الصباح- حسن حميد

أكاد لا أصدق، وأنا أتابع سيرورة التاريخ الدموي الإسرائيلي المشفوه حكاياتٍ وأخباراً، والمرئي صوراً وطيوفاً ورسوماً، والمدوّن كتابات مقروءة ومناهج درسية، ومنذ 74 سنة وحتى هذه الساعة أن الإسرائيليين يريدون للحياة الفلسطينية أن تكون (تريتاروس) حقيقياً، أي المكان الذي يخصّ العالم السفلي الذي تحدثت عنه الأساطر الإغريقية، أي المكان الآبد للموتى، وذلك عبر طرق وصور وأساليب مخالفة لكلّ حيّ إنساني، ولكلّ شرعة دولية، ولكلّ معيار أخلاقي، ولكلّ قيمة فيها شيء من طعوم النبل.
إنهم، ومنذ عام 1948، ينشئون السجون والمعتقلات الجديدة، ويحصنون السجون والمعتقلات التي ورثوها عن المستعمر البريطاني، ومن سبقه من محتلين، من أجل إماتة الحياة الفلسطينية الفوّارة بالخصب، كدت أقول الحياة الفلسطينية المفطورة على البكورية التي تليق بالعمران والفرح والنبل والحق والخير والجمال، فالإسرائيليون لا يعرفون حقّاً أن الفلسطينيين لا يتلبثون عند معنى الموت إلا بوصفه الاحتفاء بالخصوبة الجديدة المتجددة، فهم لم يعرفوا، حتى هذه الساعة، أسرار أشجارالزيتون الفلسطينية التي تعني الأبوة الفلسطينية الآبدة، والمرآة الخالدة في حضورها وديمومتها، فهذه الأشجار لا تعرف الفناء، ولا الخريف، ولا الهرم، ولا الحرور، فهي، كأهلها الفلسطينيين، دائمة الخضرة، والزيت، والظلال، فقلبها حين يحترق يفتح النوافذ في الجذوع، مثلما هي البيوت التي لا تصير بيوتاً إلا بنوافذها من أجل المزيد من الهواء عفواً، من أجل المزيد من البهجة الآسرة،  والتواصل الحميم مع الطبيعة والبشر.
لا لـ (تريتاروس) العالم السفلي الإسرائيلي البادي أمام أنظار العالم أجمع بعنصريته الهمجية التي لا تعرف لغة سوى لغة إطلاق النار على الصغير والكبير، لأن الإسرائيلي آمن، ومنذ 74 سنة، بأن لا مصير أمام الفلسطيني سوى مصيرواحد هو الفناء، أيّ الموت، وها هي صورة الفناء والموت تبدو من خلال العالم السفلي الذي بناه الإسرائيلي بأبشع وجوهه من أجل أن يكون سُكنى للفلسطينيين، والقصص والروايات التي تطالعنا بها الأخبار يومياً عن الأسرى الفلسطينيين داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية، تخبرنا عن كلّ أشكال الفناء والموت المعدودة لهؤلاء الأسرى الذين يعيشون أجيالاً مترادفة داخل هذه المعتقلات والسجون، إنهم رجال ونساء وأطفال وشيوخ.. يعيشون في حالة مزرية لأن الإسرائيليين اعتمدوا سياسة العقاب الفردي والجماعي معاً، وسياسة الإهمال لكلّ شأن من شؤونهم، وصدّوا عن سماع شكاياتهم كلّها، فهم يريدون علاج الأمراض المستعصية للأسرى بـ (حبة الكينا)، ويجيبون متطلبات العقل بالجهل والتجاهل، وإماتة الأمل بمضاعفة أحكام المؤبدات، وكلّ حكم مؤبد منها يعني 99سنة فقط، ومع ذلك فإن الأسرى الفلسطينيين يتبعون كلّ الأساليب الحضارية لبيان ما وقع عليهم من ظلم عبر الاحتجاج ورفع العرائض للصليب الأحمر الدولي، وعبر  التذمر والعصيان والإضراب عن الطعام لأيام تمتد مئة يوم وأزيد، ولكن العين الإسرائيلية لا ترى، والعقل الإسرائيلي لا يعي ولا يتدبّر لأن القناعة الإسرائيلية مؤمنة بأن الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت!
وفي المقابل، ومواجهة لهذا النقيض العدو، حوّل الأسرى الفلسطينيون الـ (تريتاروس) الإسرائيلي، أي المعتقلات، إلى مدارس للقراءة والكتابة والمعرفة وتعلّم اللغات والاستحواذ على الشهادات العليا، لقد حوّلوها إلى مدارس للوطنية ومحبة للبلاد، فطوال 74 سنة من استمرارية الاعتقال و (تربية العصافير) لم نسمع أن أسيراً فلسطينياً ضرب أسيراً فلسطينياً أو جهر بكراهيته، وهذا ما قهر العدو النقيض داخل هذه المعتقلات والسجون التي أراد لها أن تكون منصّات للموت، ومن بعد الالتحاق بالعالم السفلي.
ترى، وقد كرّ الزمن حتى تردىّ، أما آن لأهل الغرب حماة الكيان الإسرائيلي، أن يعرفوا مقاصد الإسرائيلي وأهدافه من وراء هذه السياسة الداعية للموت والفناء لأبناء الشعب الفلسطيني الذين بنوا وعمّروا واستأنسوا الجبال والأنهار والأودية، وشقّوا الدروب البحرية بالعلامات الرّشدة،ووضعوا الرزنامات الزراعية الأولى في تاريخ البشرية، والنواميس والعقائد الاولى لمدونات القيم النبيلة، ألم يع أهل الغرب، حماة الاسرائيليين بعد، أن ثقافة القوة (ثقافة إسبارطة)، ولّت واندثرت، وأنها لم تبنِ داراً، ولم تزرع حقلاً، ولم ترسم لوحةً، ثم ألم يع الإسرائيلي حتى الآن، أن التتار والمغول والفرنجة.. إلخ لم يخلّفوا وراءهم سوى قصص الموت والمجازر والخراب.. والمعتقلات والسجون!
hasanhamid55@ yahoo.com