عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 تموز 2022

رواية ..عوليس!

تغريدة الصباح- حسن حميد

وصلتني رسالة غاضبة، نبرتها حادة، وسطورها ملأى بالألم الوجيع، وقد فرحت بها لأن صاحبها أديب له مؤلفات، ونشاط ثقافي محسوس، أي له اسم معروف.

يعتب علي الأديب، أنني أغالي في الحديث، حين أتناول الأدباء المشاهير في العالم، أصحاب المواقف المؤيدة للكيان الصهيوني، وأنني أقول ما أقول تبعا لمواقفهم وبسببها، ولا أنظر إلى مدوناتهم الأدبية النظرة الموضوعية التي تنصف مواهبهم وجهودهم، وذلك حين تحدثت عن ميلان كونديرا، وهاروكي موراكامي، وجيمس جويس إلخ.

والحق، أن كل كلمة قالها صاحب الرسالة، وأنا أقدره وأحترم تجربته الأدبية، هي صحيحة، فأنا أغالي حقا في الحديث عن هؤلاء الأدباء العالميين الذين يناصرون الظلموت الصهيوني البادي لكل من يمتلك عينين، فالأفعال الناقصة والقبيحة لعدونا جلية أمام كاميرات التلفزيون، وليس بمقدور الأعمى أن ينكرها لأنه يسمع أحداثها، فكيف بمقدور أديب، يقول إنه يتبنى قيم الخير والحق والجمال، أن يتجاهل ما يحدث، وطوال 74 سنة، نزف من خلالها أبناء فلسطين أعمارهم ساعة ساعة وهم يواجهون العدو النقيض، مثلما نزفوا كل مباهج الحياة أيضا، ولولا صلادة الأحلام وحقانيتها لنزفوها أيضا.

جيمس جويس، ومنذ عام 1904 راح يناصر المشروع الصهيوني، حين تحدث عن المكان الفلسطيني بوصفه مكانا للإسرائيليين (أرض الميعاد)، ولم يكن هناك بعد لا وعد بلفور، ولا صكوك انتداب، فكيف لا أجهر بالحديث عنه، وكيف لا أغالي، وهو يتحدث عن حيفا ويافا والجليل وطبريا بوصفها (أرض الميعاد) لأعدائنا وإذا كان الأديب والمثقف لا يتحدث عن أمر مثل هذا فمن يتحدث إذًا، وإذا كنا لا نغالي، ونعبر عن المرارة التي تجول في نفوسنا، وخيبة الأمل التي نراها في كتابة هؤلاء الكتاب، فمتى نغالي، ومتى نعبر؟!

جيمس جويس، قدمه المترجم المصري (طه محمود طه) في روايته عوليس بوصفه فاتح الفن الروائي الجديد الذي طوى صفحات المدونة الروائية التي كتبت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأوقف مد الكلاسيكية التي ما عاد لها بريق، وبدد هيمنة التقاليد الروائية التي تبناها دوستويفسكي وغوستاف فلوبير، وتشارلز ديكنز، وجين أوستن، وفيكتور هيغو، وذلك حين جاء بصيغ كتابية وأساليب جديدة (تيار الوعي)، وأن روايته عوليس هي الجبل السردي الذي يفصل ما بين عالمين روائيين، أحدهما قديم، وثانيهما حديث، ولكنه، أي المترجم المصري لم يتطرق ولو بجملة واحدة لمضامين رواية عوليس، ولم يتحدث عن المكان الفلسطيني الذي جعلته الرواية مسرحا محلوما للشخصية الرئيسية في الرواية (بلوم)، ولم يتساءل، ولومن باب المفاجأة أو الدهشة، لماذا تتجلى المدن والبلدات الفلسطينية في رواية إيرلندية مكتوبة في العشرية الأولى من القرن العشرين، مع أن المترجم المصري كتب مقدمتين لترجمة الرواية وفي طبعتين متلاحقتين، وقد تخاطفت أيدي الكتاب والأدباء والمثقفين العرب (ومنهم النقاد وأساتذة الجامعات العربية) رواية عوليس المترجمة بوصفها كتابا ثقيلا في إبداعه، وغنيا في جمالياته، ولأن ما من أحد منهم استطاع قراءة (عوليس) القراءة الإضافية بسبب صعوبة قراءتها حقا، أعني القراءة التامة، إلا من عصم ربك، ظل الحديث عن رواية (عوليس) حديثا يشوبه السحر مرة، والشوق مرة أخرى، والفضول مرة ثالثة.

مهمة الكاتب ليست الكتابة الجميلة التي تعبر عن ثقافته وموهبته وحذقه فحسب، وإنما مهمته هي مهمة تنويرية لكي يبصر الناس الحقيقة التي هي الشاغل للعقل والقلب معا، ولهذا نحاول أن نوقد القناديل نهارا أيضا من أجل أن يعي المترجمون العرب وأن يعرفوا لماذا تروج وسائل الإعلام ودور النشر ومعارض الكتب والكتابات النقدية لكتاب بعينهم، ولمؤلفات بعينها دون سواها!

ولأن رسالة الأديب والكاتب الغاضبة طلبت مني أن أذكر الشواهد والأمثلة، كي لا يظل الكلام عائما وعاما، فإنني أعده بالحديث، في المرة المقبلة، عن خورخي لويس بورخيس الذي جعل منه المترجمون والنقاد العرب، ودور النشر، وبعض المثقفين، منارة للخير والحق والجمال، وأعده بالمفاجأة التي أرجو أن تكون راجة من أجل انتباهة نحن بأمس الحاجة إليها.

[email protected]