لا نراهن!!
سؤال عالماشي- موفق مطر

أعاصير دعائية، ورعود يأس، وطوفان تشكيك وإحباط، وسيول كذب ودجل جارفة، وانهيارات ثلجية وطينية وصخرية لا مكان لجميعها إلا في مخيلة متحدثين حشدتهم فضائيات ووسائل إعلام للكلام – أي كلام – عما يسمونه (الرهان) فيبدو المشهد وكأن المنطقة غارقة حتما في محيط سياسة منظومة الاحتلال العنصرية (إسرائيل)، حتى أن المتدافعين والمتنافسين على إخراج هذا المشهد يتجاهلون عن قصد صمود الشعب الفلسطيني وتمسك قيادته السياسية بالثوابت ، والعمل بإخلاص وحكمة وصبر على تحقيق الأهداف الوطنية التي باتت محل إجماع الكل.
الحكمة لدى القيادة الوطنية تجعلها في مأمن لاتقاء (شر المراهنات)، فالمصطلح بحد ذاته يعني احتمال الخسارة قبل الربح، أو العكس، وهذا ما لا يمكن لقائد عرف بقدرته على التحلي بصبر – كصبر أيوب - والثبات على المبدأ والهدف الوطني، وبحرصه على المحافظة على روح كل فلسطيني ليكون رافعة مميزة بقيمتها وقدرتها وكفاءتها في عملية بناء الدولة وتعزيز مثبتات أركانها في القانون الدولي، وتمكين معاني الحرية والتحرر والاستقلال والسيادة والتقدم والديمقراطية.
الحقيقة الثابتة التي يجب أن تعرف هي أن الدول الاستعمارية التي أنشأت (إسرائيل) تتحكم بقرار رؤوس منظومتها رغم محاولاتهم الظهور أمام منتسبي أحزابهم وأمام الجمهور الإسرائيلي واليهودي بشكل عام أنهم على العكس من ذلك، لذلك لا يراهن الرئيس أبو مازن - ومعه كل مناضل وطني وعروبي وإنساني حر - على هؤلاء ولا على الذين صنعوهم، وإنما يناضل لانتزاع الحق الفلسطيني من براثنهم، فالأمل لا ينعقد إلا على الشعب الفلسطيني المؤمن بحقه التاريخي والطبيعي، على الأمة العربية التي نحن جزء لا يتجزأ منها ومن ثقافتها ومصيرها، وعلى الأحرار في العالم المسلحين بالإنسانية وقيمها وأفكارها وتراثها.
يعلم مروجو الدعاية الخدامة لقوى إقليمية ودولية استعمارية، والهدامة للشخصية الوطنية الفلسطينية أن أبا مازن رئيس الشعب الفلسطيني وقائد حركة تحرره الوطنية، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد، ليس في قاموس منهجه السياسي مصطلحات مثل: (الرهان)، أو (المغامرة)، أو (الهيام بالزعامة) التي يدفع الشعب الفلسطيني ثمنها أرواحا ودماء ودمارا، ذلك أنه بحكمته وصبره وصدقة ومصداقيته - ومعه وطنيون عقلاء واقعيون - مؤمن إلى حد اليقين بإرادة الشعب الفلسطيني وبقدرته على انتزاع حقوقه التاريخية والطبيعية طال الزمان أو قصر، وأن أرض فلسطين وطن هذا الشعب ستبقى عامرة إلى الأبد بشعبها الأصلي الأصيل، بإنسانها وآدمها المخلوق من ترابها، وأن غزوات المستعمرين المحتلين والمستوطنين زائلة حتما، وأن الحرية والتحرر والاستقلال والنصر وتحقيق السيادة تحتاج لثورة حقيقية عاقلة، تغير نمط التفكير السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، ما يمكن الشعب الفلسطيني من استخدام أدواته النضالية الكفاحية المناسبة والمشروعة، التي لا تردها الوقائع والظروف الدولية المعقدة سلبا على صموده أو تؤثر على وجوده، فالأهداف الاستراتيجية لا تتحقق إلا عبر تغيير لهذه الوقائع والظروف عالميا بصفة عامة، وإقليميا بصفة خاصة، وعربيا بصفة أدق، لكن اليقين قائم لدى الرئيس والمناضلين الوطنيين بأن نواة التغيير الحيوية كامنة لدى الشعب الفلسطيني، ذلك أن جذوره الحضارية ما زالت حية وتتمدد وتنمو وتنبت حيث لا يتوقع رؤوس منظومة الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي العنصرية ظهورها، وهنا يكمن الإعجاز الذي لم يحسب له المستعمرون حسابا، عند إنشاء كيان وكيلهم الاستعماري ومنحوه صفة دولة – رغم أنها ما زالت ناقصة بمعيار القانون الدولي – فسجلوا على أنفسهم أكبر عملية تحايل والتفاف على الشرعية الدولية ومواثيقها وقوانينها، رغم ادعاءاتهم وتفوهاتهم عن الحرية والديمقراطية والعدالة الإنسانية، وغيرها من المصطلحات التي باتت كالمنشطات يتداولها ليس فاقدو الثقة بأنفسهم أو الشعوب التي ينتمون إليها وحسب، بل العاملون على كسب ثقة الإمبراطورية الاستعمارية حيث لا يرون وجودهم ممكنا دون نعمة حمايتها الأمنية والعسكرية.