ناجي الناجي بملتقى جابر عصفور: المفكر الراحل كان نصيرًا مختلفًا لحق الشعب الفلسطيني في الحياة

القاهرة- الحياة الثقافية- ألقى الكاتب والروائي الفلسطيني ناجي الناجي، المستشار الثقافي للسفارة الفلسطينية في القاهرة ، ممثلًا عن دولة فلسطين في الملتقى الدولي "جابر عصفور..الإنجاز والتنوير"، الذي انتهت فعالياته امس الاثنين كلمة تحدث فيها عن علاقة المفكر الراحل بالأدب الفلسطيني ودعمه للقضية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال.
وجاء في كلمة ناجي الناجي التالي:
السادة الحضور كلٌ باسمه وصفته
إن الأمم التي تقدّر بدقة مقامات رموزها ومبدعيها وفلاسفتها، وترسّخ سيرهم ومآلات إنتاجاتهم في الذاكرة الفكرية والوطنية، هي أممٌ تضع المستقبل نصب أعينها بقدر ما تراكم من أطروحات معرفية أمضى أربابها أعمارهم ريثما شكلت هيئاتها النهائية قواعدًا للبناء الفكري والحضاري ، نُحيي وزارة الثقافة المصرية والمجلس الأعلى للثقافة على هذا الملتقى وهذا التوثيق الاستراتيجي لسيرة مفكر ومثقف مثّل علامة فارقة في المشهد العربي ناقدًا وأكاديميًا ومجددًا وفاعلًا ثقافيًا.
ولأن المشروع الثقافي الذي عمل عليه د. جابر عصفور أسس لرؤى تنويرية متجددة، فقد تجاوز جغرافيا الوطن والإقليم، وذهب إلى اشتباك فكري نقدي بنّاء مع النظريات الفكرية المقابلة، سيّما الأوروبية منها، وصولًا إلى أطروحة تستند إلى مكاشفة صادقة مع الذات خالصة إلى أن تأسيس نظرية عربية في النقد يتطلب شروطًا غير حاضرة بعد، وأن واجبًا على من يهدف إلى تحقيقها إدراك أن النظرية لا يمكن أن تنتسب إلى دين أو دولة أو فرد، وتحتاج إلى تهيأة مناخ من الحرية الكاملة في التفكير، وإنجاز تراكم معرفي ضخم وحركة ترجمة دقيقة النتائج.
بالإضافة إلى القيم الفكرية والتنويرية والنقدية التي مثّلها وصدّرها د جابر عصفور إلى المشهد الثقافي العربي برمتّته، إلا أن أكثر ما ميّز تلك المسيرة عن غيرها ثلاث نقاط رئيسة : جسارة دفاع د.جابر عصفور عن فكرته الأم واستعداده التام لمجابهة الديماغوجية والشعبوية والتطرف الديني المتنامي، لم يهادن في تلك المعركة وبقي على يقين أن جذر الأزمة فكري وحلها لابد أن يكون كذلك، من هنا بدأ العمل عبر التنظير والممارسة نقدًا وإبداعًا في إطار تنويري عربي عريض، لإيمانه بأن الأزمة لا تحل ضمن حدود جغرافيا بعينها بينما الفكر المقابل يستشري في العقول المستترة خلف حُجُب الأديان والعقائد، النقطة الثانية هي التماهي والاتساق بين الدور التنويري النظري الذي طرحه عصفور ناقدًا ومفكرُا وممارسة هذا الدور عبر العمل المؤسسي الرسمي، بما أفضى إلى خلق فضاءات مؤسسات ومنابر تحمل الهوية الحضارية العربية وتشتبك مع مفاهيم نظيراتها الغربية، تلك المؤسسات الراسخة حتى اللحظة والمستمرة في أداء ما أنجزت من أجله لأن ركائز بنائها دُعّمت بأوتاد فكرية صلدة، ثالثًا : استطاع د.جابر عصفور الربط بين قضيته الأولى في محاربة الفكر الرجعي المتطرف وممارسات الاحتلال الإسرائيلي، وأصّل لتطابق مصادر التطرف في كلا الفكرين، كان واضحًا بغير لبس موقفه الرافض بشكل قاطع للتطبيع، ولم يذهب إلى الخلط الذي وقع فيه البعض القليل بين محاربة التطرف من جهة والالتزام المبدئي والفكري والوطني المناصر لحقوق الشعب الفلسطيني من جهة أخرى، كان قيمة فكرية كبيرة غير مقتصر على النخب فحسب، قريب من مواطنيه ويشبههم، واستخدم كل ما لديه من علم وفكر لصياغة نظرية تحصّن المستقبل بتحصين الأدمغة.
كما اتسق د.جابر عصفور مع مبادئه وقناعاته في الموقف من القضية الفلسطينية، فكان نصيرًا مختلفًا لحق الشعب الفلسطيني في الحياة والبقاء على أرضه، وقنع إلى أن المساهمة في تسليط الضوء على إبداعات الأرض المحتلة هو خير استقطاب لعدالة القضية، فوظّف النقد للمناصرة والمؤازة وأعلى صوته عاليًا، فبحث في أعمال سابقيه كعبدالرحيم محمود وفدوى طوقان، وفنّد وأبحر في إبداعات مجايليه سميح القاسم وإدمون شحادة وتوفيق زياد وحنا أبوحنا ، إلا أن العلاقة شديدة الخصوصية هي تلك التي جمعته بصديقه محمود درويش، والتي بدأت عبر الشاعر الكبير أمل دنقل، وعاشت وحيت لنحو خمسة عقود، قدّم خلالها غير قراءة وفي غير منبر ومقام.
ووصلت تلك العلاقة إلى ما يشبه الاتفاق المبدئي غير المبرم بالدعم المتبادل المتكأ على قناعات فكرية ومآلات مأمولة تكاد أن تكون متطابقة، فأرّخ عصفور لمراحل الثورة الفلسطينية عبر نقد المراحل الشعرية المختلفة لدرويش، وأمسى يربط بين تاريخ البلاد وقصائد صديقه، وذهب إلى أن من أراد أن يقرأ فلسطين فعليه سبر إبداعاتها، وعندما بدأت صحته في الاستئذان قال : علمني درويش أن أحدّق في الموت !!
إدراك درويش لأهمية منهجية د.جابرعصفور وما تهدف إليه من نهضة بل انتفاضة فكرية وحضارية تجسّد في غير موقف، أولها التداول والتبادل بينهما في إعادة قراءة التراث، واستقراء التطورات الأسلوبية الأدبية، والاستدلال برؤى عصفور في قدرة الحركة النقدية على مجاراة التحديثات الشكلية والموضوعية التي ألمّت بالأدب العربي، كذلك لبّى درويش دعوات فعاليات المؤسسات التي تولاها عصفور لأن القارب واحد، إحياء الذكرى العشرين لوفاة أمل دنقل والتي نظمها المجلس الأعلى للثقافة، ومؤتمر الشعر بالقاهرة في دورته الأولى، وما يكتب ويصدر من كتب وترجمات، لتمسي تلك الثنائية مثالًا حيّا للمثقف والمبدع الساعي إلى الذود عن الفكرة بالاقتراب من المجتمع لا بالتعالي عليه، واليقين بأن الوطن هو الحياة لا الشعار .
نفتقد د.جابر عصفور ولا نفقده، نقتفي آثاره الباقية أبدًا
مواضيع ذات صلة
القراءة بوصفها إعادة اكتشاف للذات
لطفية الدليمي وداعا.. رحلة بحث مستمرة عن الإنسان
"أصابع الحنين".. أناشيد الحب والحرب
اختيار الفنان والسينمائي الفلسطيني الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
هند جودة تقشر اللغة في "سقوط رداء الحرب"
"عين الزيتون".. روح مقاومة ومأساة لا تدوم
محمود شقير .. "أمي في زمن التحولات"