عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 06 نيسان 2022

ذاكرة نابلس تنبش تفاصيل "موت نيسان"

نابلس- الحياة الجديدة- بشار دراغمة- هو نيسان الألم الذي تمنى أهل نابلس أن يكون كذبة أو مزحة، كما جرت عادة الكذب مع بداية الشهر، لكن الواقع كان موتا ودمارا مزلزلا يدك أرجاء المدينة، واقعا حاضرا أمام أعين الجميع، ولا شيء يستطيع أن يمحوا ما في الذاكرة من مشاهد الموت والقتل.

الصورة ما زالت حاضرة كما هي، بعد 20 عاما على "نيسان الموت والدمار" والذاكرة لا تزال عامرة بكل التفاصيل، يرويها كل من عايش تلك اللحظات الصعبة بأدق وصف لها، وكأنها تجري الآن أمامه.

دبابات تقتحم المدينة في الثالث من نيسان، الناس تراقب شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، كل المداخل مستباحة، بينما فوهات المدافع تتحرك يمنيا ويسارا وكأنها ترقص فرحا مع كل موت جديد، ومع كل خراب ودمار تزرعه في قلب المدينة العاشق للحياة والمدافع عنها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، بينما دوي الانفجارات الناجمة عن قصف الطيران لا يتوقف.

داخل أزقة البلدة القديمة المشهد مثير للذعر، جثث في الطرقات، يتم نقلها على عربات الخضار بعدما مُنعت طواقم الإسعاف من الدخول إلى البلدة القديمة وإنقاذ الجرحى وانتشال جثث الشهداء.

عمر عفانة، الذي عايش أصعب اللحظات في أزقة البلدة القديمة، وكان على مشارف الموت أكثر من مرة يروى لـ"الحياة الجديدة" شيئا من ليالي الرعب والموت الحاضر في المكان.

كان عفانة أول جريح يصاب على أطراف المدينة، تلقى رصاصة في كتفه وتمكن من الفرار من الكمين الذي حاصره عندما شده الحنين إلى مسقط رأسه في قرية تل، وصل إلى المشفى وتلقى العلاج الأولى وتوجه بعدها إلى البلدة القديمة في نابلس.

عفانة الذي كان ضابطا في قوات الـ"17" استقبله أهالي البلدة القديمة ورفقاؤه في الأمن الفلسطيني قرب جامع الخضر ومن بينهم شقيقه إبراهيم، وتوجه إلى المشفى الميداني الذي تواجدت في الدكتورة زهرة الواوي التي كانت تشحذ الهمم بطريقة استثنائية.

يقول عفانة: "لم تكن الدكتورة زهرة أقل أهمية من أي مقاتل في البلدة القديمة، وربما كانت الأكثر أهمية، وتمتلك شجاعة لا توصف، كانت تبكي من هول المشهد وعلى الجثث الحاضرة أمامها التي تمزقت إلى أشلاء".

الأيام تمر وأعداد الجثامين تتزايد في المشفى الميداني، بينما الجرحى لا يملكون إلا قدرة الترحم على الشهداء وقراءة القرآن على أروحاهم.

حاصر الاحتلال المشفى الميداني في جامع البيك، وكانت الدكتورة زهرة الواوي في مقدمة المدافعين عن المشفى لمنع الاحتلال من اقتحامه واعتقال الجرحى.

يقول عفانة إنه بعد محاولة الاقتحام للمشفى الميداني نجح مع بعض رفاقه في الانسحاب إلى أحد المنازل في منطقة شارع النصر بين أزقة البلدة القديمة، مضيفا "كنا نتعثر بجثث الشهداء من كثرتها، وكنا نتحسس الجدران للمرور في ليل حالك وطريق مليء بالجثث".

لم يكن عفانة يرغب في دخول المنزل وقد شده أحد رفقائه عنوة، على أمل النجاة من الموت الذي يحاصر المكان، مضيفا "كان جرحي يزداد نزفا، والدم يتدفق من كتفي وقد ايقنت أن الموت حان وفضلت أن أموت في الخارج لا داخل البيت، لا أريد ان أكون في حالة انتظار للموت داخل المنزل".

يتذكر عمر ذلك المقاتل الذي جاء من بعيد متسللا بين الأزقة يحمل بندقيته في يد وفي الأخرى قليل من الحليب، ذلك المقاتل كان أخوه إبراهيم، أعطاه الحليب ورفض أن يتقاسمه معه، قال إبراهيم لعمر "أنا صائم، وأريد أن أرحل صائما، وانت أحوج مني إلى هذا". بعد 15 دقيقة فقط، دوى الانفجار وارتقى إبراهيم شهيدا.

ما توقعه عمر كان حاضرا، قصف الاحتلال المنزل المتواجد بداخله هو ورفاقه وتابع "عايشت الموت مرات ومرات، يبدو أنني دخلت في غيبوبة وبعد قصف المنزل بأكثر من ثماني ساعات، استيقظت فوجدت نفسي مقيدا بجانب دبابة إسرائيلية، والدماء تسيل من كل أنحاء جسدي، بعدما تم نقلنا إلى معسكر حوارة وبقيت 17 يوما دون أي علاج، حتى أن طبيب مركز التحقيق رفض استقبالي لسوء حالتي الصحية وعشت مشلولا إلا من إرادتي".

ذاكرة نابلس التي ودعت نحو 90 شهيدا، تروي بأدق التفاصيل جريمة قتل عائلة الشعبي التي قصف الاحتلال منزلها المكون من ثلاثة طوابق، وقضى في المجزرة ثمانية من أفرادها، فيما تفاصيل مجازر أخرى يرددها أهالي المدينة يوميا رغم مرور عقدين من الزمن على الجريمة المتواصلة.