عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 آذار 2022

استذكار واستلهام معركة الكرامة في ذكراها الرابعة والخمسين "2"

علامات على الطريق- يحيى رباح

وقعت معركة الكرامة في اليوم الحادي والعشرين من شهر مارس عام 1968، عندما صعدت أرتال من الدبابات الإسرائيلية إلى منطقة الكرامة في أراضي المملكة الأردنية الهاشمية على الحافة الشرقية لنهر الأردن، وكلمة الأردن معناها باللغة الآرامية المتدفق أي الذي يسير بسرعة مذهلة، وكيف لا والنهر ينبع من قمة جبل الشيخ الذي حمل هذا الاسم لأن قمته العليا مغطاة دائماً بالثلج الذي قبل أن يذوب يأتيه الثلج الذي يهطل بغزارة في الشتاء التالي.

ومخيم الكرامة اسم لمخيم للاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى الأردن بعد نكبة 1948 ووجدوا عند وصولهم استقبالاً طيبا ومعاملة حسنة، فنحن في فلسطين وفي الأردن كنا وما زلنا شعبا واحدا في كيانين، وظلت هذه الأخوة العربية التي تجمعنا ثابتة وصامدة، لم تؤثر فيها مغامرات المغامرين ولا مزايدات المزايدين حتى يومنا هذا.

وكان قد أقيم في الكرامة مخيم صغير للفلسطينيين القادمين إلى الأرن، وقعت فيه بعض المشاكل، لكن بفعل الحكمة التي تمتع بها القادة من الجانبين لم تنجح تلك الأحداث المفتعلة في التأثير السلبي على العلاقة المثالية التي تجمعنا، ومن الذين لعبوا دورًا مهما في إيجابية السلوك في مواجهة تلك الأحداث، الفدائي الفتحاوي البارز صلاح التعمري، الذي لا أعرف ماذا حل به، هل ترك الزمان بصمته القاسية عليه كما حدث معي أم ظل محافظاً على روحه الطيبة، ووسامته الفائقة حين كان يدرس الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة، مهما يكن قد حدث، فهو جزء من ذكرياتي الطيبة، وأمثالي وأمثاله من الواقعيين، بل شديدو الواقعية، تكفيهم الذكريات ويا لها من ذكريات.

المهم أنه في الحادي والعشرين من آذار سنة 1968، صعدت أرتال الدبابات الإسرائيلية إلى مواقع الفدائيين في الكرامة، وكان وزير الجيش الإسرائيلي "موشيه دايان" قد تورط بتصريحات علنية يقول فيها، إن فتح كالبيضة في يدي أستطيع أن أكسرها متى أشاء.

ولكن قيادة فتح في ذلك اليوم خالفت كل قوانين حرب العصابات القائمة على أساس "اضرب واهرب" فحولتها إلى اضرب واثبت، وكانت هذه هي المفاجأة الكبرى التي واجهها "موشيه دايان" أيقونة الحرب الإسرائيلية، لأنه قبل أيام فقط، وتحديداً قبل أقل من تسعة شهور كان الجيش الإسرائيلي قد نجح في صنع انتصار إسرائيلي كبير، حين احتل الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية عاصمة فلسطين الأبدية، وصحراء سيناء، والجولان السوري، أضعافا مضاعفة لما كانت إسرائيل قد احتلته في عام 1948، ولذلك أصيب موشيه دايان بالغرور، وأدلى بتصريحاته الغبية تلك، وعموماً لقد غيبته معركة الكرامة عن المشهد كله.

ولا بد أن نسجل هنا، أن القيادة الأردنية بقيادة المغفور له الملك حسين آنذاك، كانت تشعر بفداحة الاستفزاز الإسرائيلي، ولذلك فقد حضرت لنفسها للعرس الكبير الذي تحقق في الكرامة، حيث ترك الجيش الإسرائيلي الذي كان يتوهم أنه ذاهب في نزهة، فقد ترك الإسرائيليون أشلاء دباباتهم وداخلها أشلاء جثثهم المحترقة، وهو ما تم استعراضه في شوارع عمان بعد انتهاء المعركة.

كان لدى الفلسطينيين في ذلك الوقت، هدف كبير يسعون إلى تحقيقه وهو أنهم لم يشاركوا حقيقة في صنع الهزائم السابقة، حتى في عام 1948، عام النكبة، فقد منعوا من المشاركة بحجة أن قواتهم غير النظامية التي كان يقودها عبد القادر الحسيني، ستكون عبئاً على الجيوش العربية النظامية، ولذلك ذهب عبد القادر الحسيني إلى معركة القسطل في القدس ليستشهد هناك، وليس هناك أدق من يروي أسرار ومفاجآت تلك المرحلة خير من الكاتبة والمؤرخة الدكتورة خيرية قاسمية "رحمها الله"، التي روت في تاريخها أخطر الوقائع على عبد القادر الحسيني، وكيف أن بعض القادة العرب من بينهم فوزي القاوقجي رئيس ما عرف في ذلك الوقت باسم جيش الإنقاذ، الذي لم يستطع أن يجمع أكثر من ثمانية آلاف جندي، بينما كان عدد جنود الهاجاناه الصهيونية وحدها أكثر من خمسة وأربعين ألفاً، بأعلى درجات التدريب، وبأرقى أنواع الأسلحة.

وقد روت المؤرخة الفلسطينية العظيمة في كتبها التاريخية المهمة تفاصيل مخيفة كثيرة عن تلك الحقبة من الزمن.

والغريب أن فوزي القاوقجي وهو لبناني الجنسية، كان ضابطا في الجيش التركي، من النخبة التي كان اسمها السياسي "العربية الفتاة" المضادة للتركية الفتاة التي كانت تمارس العنصرية التركية آنذاك ضد الضباط العرب في الجيش التركي ومن أبرزهم فوزي القاوقجي نفسه، وعزيز المصري، وحسن النقيب العراقي وغيرهم، ولكن لكل أسرار مهما كانت مذهلة أسرار أخرى تحيط بها، أوليست موجات التطبيع العربي الأخيرة في الاتساع هذه الأيام، جذوراً بعيدة، أبعد من المدى الراهن، ولكن فلسطين الشعب الصامد العظيم، وقضيته الكبرى العادلة سوف تكشف كل تلك الأسرار وسوف تفضح كل الموبقات، قال تعال في قرآنه الكريم:

"متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب"

صدق الله العظيم

[email protected]