شجاعة هيلين توماس
حسن سليم
بالطبع كانت تعلم الصحفية الأميركية هيلين توماس، ما كان ينتظرها من تشويه وتحريض، عندما طالبت الإسرائيليين بالخروج من فلسطين والعودة إلى ألمانيا أو بولندا، في تصريح صحفي لها عن الاحتلال الإسرائيلي عام 2010 قالت فيه: "هؤلاء الناس محتلون وعليهم أن يعودوا إلى المانيا أو بولندا، عليهم أن يخرجوا من فلسطين".
منذ رحيل هيلين توماس في تموز 2013، لم يرث صوتها احد من الصحفيين، بتلك الجرأة والشجاعة التي كانت تتمتع بها، والتي جعلت أسياد البيت الأبيض يحسبون لها ألف حساب وهي تتقدم الصفوف في قاعة المؤتمرات الصحفية، بسبب أسئلتها اللاذعة، وثقافتها غير المحدودة واطلاعها الواسع على خبايا الأمور، ودهاليز السياسة، ولهذا قال عنها الرئيس الأميركي باراك أوباما في نعيه لها: بأنها احتلت منصب عميدة الصحفيين الأميركيين بسبب إصرارها على أن ازدهار الديمقراطية في المجتمع الأميركي، وبسبب أسئلتها التي تتسم بالشجاعة، ومحاسبة القادة الأميركيين، وبأنها كانت تجبر الرؤساء الأميركيين على أخذ الحيطة والحذر، تحسبا لأسئلتها القوية والمباشرة.
اليوم وفي ظل الانحياز الأعمى للولايات المتحدة الأميركية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، فان أكثر ما نحتاجه لكشف مخاطره سواء علينا، او للجمهور الاميركي بما سيعود على سمعة بلادهم من أضرار، مما يستدعي وقف هذا الانحياز الجارف الذي من المؤكد لا يخدم الاستقرار في المنطقة، بل في العالم، هو شجاعة ووعي الصحفيين وكتاب الرأي والمؤثرين كنموذج هيلين توماس، التي رفضت رغم حساسية موقعها وما تتمتع به مكانة، بين الصحفيين والسياسيين، التملق لسياسة الديناصور الأميركي، والتزوير والتأييد الفاضح الذي كانت تقدمه لإسرائيل، الأمر الذي اكسبها احتراما في أوساط العالمية، مما يدلل عني أهمية التأثير في مواقف صحافة الغرب وبالذات الإعلاميين الأميركيين، رغم وضعها من قبل اللوبي الصهيوني على رأس قائمة الكارهين لليهود.
هيلين توماس، التي رحلت قبل عامين عن عمر 92 عاما، قضت منها ستين عاما في تغطية أخبار البيت الأبيض، والتي وصفت وسائل الاعلام الاميركية بأنها تحولت من "سلطة رابعة وكلاب تحرس الديمقراطية إلى "كلاب أليفة "، بالطبع كانت تعلم يقينا أنها ستدفع ثمنا باهظا لموقفها، لكنها كما قالت: "الأمر كان يستحق التضحية من أجل قول الحقيقة"، وذلك بسبب سيطرة أرباب الدعاية المناهضة للعرب على البيت الأبيض وهوليوود وول ستريت وإسكاتهم للسياسيين بالمال، كما توقعت.
ان ما هو مطلوب ان يعرفه الاميركيون والعالم اجمع، ويحتاج الى جهد من الاعلاميين وعلى وجه الخصوص المقيمون في الغرب، هو التقاط الحقيقة التي دفعت هيلين توماس من اجل قولها ثمنا باهظ الثمن، بأن اليهود اضطهدوا في الحرب العالمية الثانية ولم يضطهدوا منذ ذلك الحين وتحرروا، وبأنه غير مقبول الاستمرار بمواصلة لعب دور الضحية، وهذا ما يجب ان يفهمه رئيس الدبلوماسية الاميركية جون كيري.
جون كيري الذي ارهقنا وارهق نفسه بجولاته المكوكية التي لم تنتج حتى اللحظة اي تغيير ايجابي في السياسة الاسرائيلية، بل على العكس يحصد الاحتلال منها مزيدا من المشروعية نتيجة لمواقفه غير العادلة، ويمطرنا في كل زيارة باصراره على لوم الضحية، وبمواساة الجلاد، وبعدم مقدرته، او بأنه غير راغب بالاستيعاب لحقيقة ان الشعب الفسلطيني يعيش ظلما تاريخيا يجب رفعه عن صدره، وأظنه لم يكن ليجرؤ على قول ما قال، لو وجد امثال توماس.
ان ما نحتاج فعله اليوم هو اكمال مشوار هيلين بالايضاح أن ما يحصل في فلسطين "غير عادل"، كما قالت، ويجب على العالم أن يفهم سبب غضب الفلسطينين، وعليه أن يفهم أيضا بان الفلسطينين محاصرون ويعيشون في سجن مفتوح، وعلى الإسرائيليون ان يفهموا، انه من غير المقبول أن يطرق الجنود الابواب عند الثالثة صباحاً ويقولون لاصحابه: هذا منزلي، ويخرجونهم من بيوتهم التي عاشوا فيها منذ مئات السنين، كما قالت توماس.
[email protected]
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل