عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 08 كانون الثاني 2022

يوم وداع ثمانية أقمار.. جبل حزن أمام قافلة الموت

نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- هي حضرة الموت العابر في طريق الطفولة، ليحصد من أرواحها ثمانية أقمار، فيفرض الحزن ذاته بكل ثقله، ولا تكاد الدموع تستثني أحدا من المشاركين في التشييع، والرجال – الرجال تهتز من هول المشهد، ولا عيب لديهم في إعلان جبل الحزن أمام قافلة الموت.

قبل الوصول إلى بلدة عقربا التي ودعت ثمانية أطفال في حادث سير مؤسف على طريق أريحا أول أمس، تلامس ما يتجاوز حد الحزن في عيون من وقفوا على جانبي الطريق بانتظار عبور موكب التشييع.

ثمانية جثامين جاءت محملة بسيارات إسعاف وصلت إلى بلدة عقربا التي خرجت عن بكرة أبيها في موكب الوداع الأخير.

طفل يعبر بين الزحام باحثا عن تلك السيارة التي تحمل جثمان صديقه محمد، وآخر يبحث عن جثماني مؤمن وحمادة، وثالث يسأل" أين حبيبي زيد،؟ ويتوالى السؤال والكل يركض خلف الموكب لعله يفلح في التقاط نظرة وداع أخيرة من بين كل هذه الحشود التي تجاوزت الآلاف.

يتساءل طفلان وقد تبلل وجهاهما بالدموع: "يعني ما رح نشوف براء بعد اليوم، معقول براء مات"؟!، ويواصل الطفلان سلسلة أسئلتهما لبعضهما ولا يجدان الإجابة، بينما تيقنا في داخلهما أنه الوداع الأخير، فالاتصال مع صديقهما انقطع بينما الدموع ستتواصل ومعها ذكريات وتفاصيل من حياة الطفولة التي قُدّر لأبناء فلسطين ألا تكون كغيرهم من أطفال العالم، فسعوا في مناكب الأرض بحثا عن لقمة العيش قبل أوانهم.

خطيب الجمعة الذي اعتلى المنصة في ملعب عقربا حيث نقلت الجثامين هناك لأداء صلاة الجنازة، وبينما يتحدث عن صبر الفلسطيني وكفاحه بعدة أشكال ومنها السعي إلى لقمة العيش، والمرابطة على أرض فلسطين، وأن زملاءهم سيبكونهم وكذلك مقاعدهم وملاعبهم، لم يتمالك مجموعة من الفتية أنفسهم وانهاروا بالبكاء وأخذوا يصبرون بعضهم بعضا.

يرفع الإمام يده إلى السماء في التكبيرة الثالثة من صلاة الجنازة، ويدعو للشهداء بالرحمة، وبينما في الصفوف التي استوت، لا شيء سوى الخشوع والبكاء على المصاب الجلل الذي حل في عقربا.

يمضي موكب التشييع محمولا على أكتاف رجال الأمن، في جنازة عسكرية وحضور شعبي ورسمي كبير، بينما لفت الجثامين بالعلم الفلسطيني في رحلة الوداع الأخير لشهداء لقمة العيش.

مشاركة الرئيس محمود عباس في التشييع من خلال مكالمة هاتفية عبر مكبرات الصوت كان لها أثرها في تخفيف جزء من المصاب الجلل. وأكد الرئيس أبو مازن أن المصاب هو مصابنا جميعا والألم ألمنا جميعا. وأضاف: "أتقدم لذوي الشهداء وإلى آبائهم وأمهاتهم بخالص المواساة وحسبنا وحسبهم أننا مرابطون في أرضنا المباركة، ثابتون صامدون في وجه الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين وإرهابهم وإجرامهم، حتى يأتينا أمر الله ونصره وهو آت لا محالة، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، وتقوم دولة فلسطين وعاصمتها القدس، أعظم الله أجرنا وأجركم ورحم شهداءنا الأبرار، وكتب الخلاص والحرية لأسرنا البواسل".

"كثيرة هي الآلام والمآسي التي تتوارد على شعبنا وتتوسد قلوب هذا الشعب".. جزء من كلمات رددها محافظ محافظة نابلس اللواء إبراهيم رمضان في كلمته خلال موكب التشييع، مؤكدا أن الفلسطيني يملك قدرة هائلة على الصبر تدفعه لتجاوز كل المصائب.

ينتهي موكب التشييع ويتفرق المشيعون ويحملون معهم قصصا من حزن يدوم، وذكريات طفولة فلسطينية لم تعرف من الطفولة إلا اسمها.