عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 02 كانون الثاني 2022

الباز: حركة "فتح" أرست قواعد وأسس إعلام الثورة الفلسطينية

الأناشيد الثورية التي كان يبثها إعلام "فتح" كانت برنامجاً سياسياً يصل مداه أرجاء العالم

في حوار أجرته معه "الحياة الجديدة" لمناسبة الذكرى الـ57 لانطلاقة الثورة الفلسطينية وحركة فتح

غزة – الحياة الجديدة – أكرم اللوح- ارتبط اسمه وتجربته في مجال الإعلام بتاريخ إذاعة الثورة الفلسطينية، وتميز بصوته الشجي العذب، الذي صدح بالعبارات الثورية والأشعار الوطنية لكبار شعراء فلسطين، ففي كل فرصة أتيحت له كانت كلماته العابرة للمشاعر والأحاسيس تنطلق عبر الأثير، فتاريخ إعلام الثورة لا تخلو صفحاته من اسم الإعلامي محمد الباز "أبو شادي".

بدأ الباز رحلته مع الإعلام في العام 1978، من اليمن الديمقراطية في إذاعة الثورة الفلسطينية، وكان قد تخرج من جمهورية مصر العربية وعمل فيها مدرسا، ولكن كانت تجربته في مجال الإعلام مرتبطة بتاريخ صوت الثورة الفلسطينية من عدن، والتي عمل فيها حتى عودته إلى أرض الوطن عام 1994م.

استذكر الباز في حديث خاص لمراسل "الحياة الجديدة" تاريخ إعلام الثورة الذي أرست حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح قواعده وأسسه، حيث كانت البدايات مرتبطة بالجانب الصحفي المكتوب من خلال مجلة فلسطين الثورة وصوت فلسطين التي أسسها الشهيد ياسر عرفات، موضحا أن حقيقة الزخم الإعلامي للثورة تزامنت أيضا مع النصر الذي حققته "فتح" في معركة الكرامة.

وأشار الباز إلى الفنان إسماعيل شموط الذي أرخ معركة الكرامة من خلال التصوير ووثقها، وبذلك أصبحنا نملك لأول مرة "فن السينما" والذي رافق انطلاق الثورة الفلسطينية وتحدثت عن الفدائي والثورة وحفظت في الأرشيف تدريبات حركة فتح وأهدافها وشعاراتها".

ونوه الباز إلى أن معركة الكرامة أسست لمرحلة جديدة من الاعلام الفلسطيني الثوري، فكانت البداية مع صوت العرب الذي قدم مقره الرئيس جمال عبد الناصر هدية لحركة فتح بهدف إطلاق إذاعة ناطقة باسم الثورة الفلسطينية، ووفقا للباز فإن لتأسيس هذه الإذاعة قصة تعبر عن مدى الإصرار والكفاح الفلسطيني.

وأوضح الباز الرئيس أبو عمار سأل في تلك الفترة عن فلسطينيين لهم علاقة بالعمل الإعلامي لتشغيل هذه الإذاعة، حيث لم يكن لفتح أي وسيلة إعلامية إذاعية من قبل، لتبدأ مرحلة الصوت المسموع،  ليجتمع فؤاد ياسين مع أبو عمار ويدور حوار أخوي حريص على إطلاق النافذة الإذاعية الأولى للثورة الفلسطينية.

ويسرد الباز أن أبو عمار طلب من ياسين إخباره عن الوقت الذي قد يستغرقه في إطلاق إذاعة للعاصفة، فرد عليه بحاجته لشهر، ولكن كانت مهلة أبو عمار لياسين عشرة أيام فقط لصناعة إذاعة وإعلام مسموع لحركة فتح، وعليه بدأت الاستعدادات وتم إحضار طلبة اللغة الإنجليزية والعربية الفلسطينيين في مصر لخوض اختبار لاختيار أربعة منهم ليكونوا النواة الأولى للإذاعة.

ووقع الاختيار على الطيب عبد الرحيم ويحيى العمري وعبد الشكور التوتنجي وخالد مسمار وجميعهم تميزوا بصوت شجي ولغة عربية صحيحة، ليصحبهم فؤاد ياسين إلى كبير المذيعين المصريين في صوت العرب أحمد حمزة لمنحهم المهارات الإذاعية اللازمة خلال أسبوع واحد فقط.

المرحلة الثانية في تأسيس هذه الإذاعة لم تكن سهلة لأن فؤاد ياسين كان يريدها شكلا جديدا مختلفا عن صوت منظمة التحرير الفلسطينية التي أنشأها الرئيس الراحل أحمد الشقيري في 1965\3\1م، والتي كانت تبث على تردد الشرق الأوسط ومدفوعة الأجر بحوالي 150 ألف جنيه إسترليني تدفع على ثلاث دفعات سنويا.

ووفقا للباز فإن فؤاد ياسين كان لا يريد إذاعة نسخة طبق الأصل للإذاعات العربية التي كانت تذيع الأغاني القديمة مثل "أخي جاوز الظالمون المدى" و "علم العروبة العالي"، وهنا أراد ياسين أن يصنع الأغنية الثورية الفلسطينية التي تتماشى مع انتصار حركة فتح وفعلها الثوري وأن تكون الكلمات قصيرة ومعبرة وهادفة".

بدأ ياسين رحلة البحث وصناعة الأغنية الثورية وطلب من أبو الصادق الحسيني كتابة نشيد للعاصفة والذي كٌتب خلال ساعة واحدة، وتم اختيار ثلاثة أناشيد أخرى من فتى الثورة سعيد المزين، ليصبح لدينا أربعة أناشيد تحتاج لتلحين لتصبح عملا إعلاميا إذاعيا ثوريا خاص بفلسطين وثورتها.

وأوضح الباز أن الاختيار لتلحين تلك الأناشيد وقع على الموسيقار المصري عبد العظيم محمد والذي طلب منه تلحين تلك الأناشيد بشكل فوري، ليخرج النشيد الأول القائل:" باسم الله باسم الفتح باسم الثورة الشعبية، باسم الدم باسم الجرح اللي بينزف حرية، باسمك باسمك يا فلسطين، أعلناها للملايين عاصفة عاصفة".

النشيد الثاني كان عبارة عن وصية شهيد تقول :" إغمس يراعك في دمي، وأكتب نشيدا من فمي، أكتب إلى كل الرجال، يا إخوتي يا عزوتي" وكان النشيد الثالث في عرس النصر :" أنا زاحف في عرس النصر، يا إما برفع الراية يا إما في الوطن أصرع، ليأتي النشيد الرابع وهو "غلابة يا فتح يا ثورتنا غلابة".

ويضيف الباز:" الآن اكتملت أركان الإذاعة من مقر ومذيعين وأناشيد، لتبدأ مداولات التسمية ليتفقوا على تسميتها صوت العاصفة صوت فتح صوت الثورة الفلسطينية، وكانت لها مقدمة تقول :" هذا صوت فلسطين صوت الثورة الفلسطينية، يحييكم ويلتقي بكم مؤكدا عهده معكم على مواصلة مسيرة النضال بالكلمة الأمينة المعبرة عن الطلقة الشجاعة من أجل تحرير كامل الوطن المحتل بالجماهير العربية معبأة ومنظمة ومسلحة وبالحرب الثورية طويلة الأمد أسلوبا وبالكفاح المسلح وسيلة حتى تحرير فلسطين كل فلسطين".

وانطلقت الإذاعة بتاريخ 1968\5\11م بعد أن أعطى القائد الشهيد خليل الوزير الإذن بانطلاقتها، واستمرت في البث حتى عام 1970م، ليبدأ بعدها التفكير بفروع أخرى للإذاعة في الجزائر وصنعاء وبغداد وعدن ويصبح فيما بعد مقرها في بيروت هو الرئيسي.

ويشرح الباز بأن الأناشيد الذي كانت تبثها الإذاعة عبارة عن تعليق سياسي وبرنامج تعبئة فكرية تصل صداها إلى كافة أرجاء الوطن العربي، وكان صوت الثورة هو الصوت الوحيد الذي سمح له بالوصول إلى الجماهير العربية حتى رسخت أغاني وأناشيد الثورة في وجدان كل مواطن عربي.

ونوه الباز إلى أن الكوادر التي كانت تعمل في الإذاعة لم يعلن عن أسمائها حتى عام 1994م ، قائلا:" أنا شخصيا لم يذكر اسمي مطلقا حتى عودتي إلى أرض الوطن".

وحول البرامج التي كانت تنتجها الإذاعة قال الباز:" كان المقر الرئيسي في بيروت ينجز العديد من البرامج مثل بلادنا فلسطين أقدم أرض أشرق عليها الإنسان وكانت بصوت يوسف القزاز وخالد مسمار، إضافة إلى برامج أناشيد الثورة والوطن وكانت من البرامج المهمة للشعراء وبرنامج غنى الحادي مع الفدائيين والمقاتلين".

ومن أسرار الإذاعة كشف الباز أن الشهيد خليل الوزير كان يأتي للإذاعة ويقدم ورقة للمذيع تحمل رسائل مشفرة للفدائيين في الأرض المحتلة.

وسرد الباز نشأت فرع الإذاعة في عدن والذي نشأ فيه وكانت تجربته الإعلامية قائلا:" في عام 1978م ذهبت برفقة 30 مدرسا لاختبار الأصوات، ونجح خمسة فقط، ومن الخمسة بقي اثنان هما محمود راشد وأنا محمد الباز، وبقيت فيما بعد وحدي بعد أن ترك محمود راشد الإذاعة".

وأوضح الباز أن جودة صوته ساعدته في العمل الإذاعي وعمل متطوعا لمدة خمس سنوات إلى أن حضر الرئيس عرفات احتفالات الثورة الفلسطينية وكنت مسؤولا للإعلام في السفارة الفلسطينية باليمن وكنا قد أنجزنا احتفالا في سينما بلقيس وعرضا عسكريا لقوات الثورة، ويومها تمكن سفيرنا المناضل عباس زكي من الحصول على قرار بصرف مواصلات لي".

وفي عام 1985م غادر بعد المجيد فرعون إذاعة صوت الثورة في عدن ليصبح الباز مسؤولا عنها، وعمل فيها حتى انتقل في عام 1990م من عدن إلى صنعاء كملحق ثقافي ورئيس للبعثة التعليمية ومدير لصوت الثورة واستمر في العمل الإعلامي حتى عودته للوطن ليلتحق بالعمل في صوت فلسطين وتلفزيون فلسطين.

كانت العودة لأرض الوطن لحظة مميزة في تاريخ الإعلام الفلسطيني، فمعها بدأ الإعلام المرئي وتطور الإعلام الرسمي المسموع، وكانت البدايات متمثلة في محاولات البث المرئي من مدينة أريحا ولكن بسبب الظروف الجغرافية والمكانية تعذر الأمر لينطلق البث الإذاعي من أريحا بشكل ناجح، ليبدأ البث التلفزيوني بعد ذلك من مدينة رام الله وغزة.

وأوضح الباز أن البدايات في العمل الإعلامي المرئي كانت بكاميرات محدودة وكان الكادر بسيطا وصاحب إمكانيات بدائية كونها التجربة الأولى في العمل المرئي، وحتى عام 2000 موعد انطلاق الفضائية الفلسطينية ، موضحا أن الاعلام المرئي الفلسطيني غطى مراحل هامة في تاريخ شعبنا الفلسطيني، مثل هبوط أول طائرة مغربية على أرض مطار غزة، قبل إنجازه بشكل كامل، وزيارة جاك شيراك، وافتتاحه لشارع شارل ديغول وميناء غزة، وهبة النفق وزيارة الملك حسين ونيلسون مانديلا وبيل كلينتون إلى فلسطين، إضافة إلى إجراء أول انتخابات تشريعية فلسطينية وجلسات المجلس التشريعي".

وأشار الباز إلى أن الإعلام الفلسطيني الرسمي بشكل عام والفضائية الفلسطينية كانا يمثلان نبض الشارع الفلسطيني والعربي، لتصبح قضية فلسطين القضية الأولى للكل العربي، وكان التأثير الإعلامي قويا، وكان الجميع يبحث عن صوت فلسطين ليستمع إليه وإلى الأناشيد الثورية والوطنية.

وأكد الباز أن الانقسام الفلسطيني والانقلاب الذي نفذته حركة حماس في غزة عام 2007م فتت المصطلح والحال النضالية الفلسطينية وأصبحت قضيتنا الفلسطينية لدى البعض العربي قضية ثانوية، وبدأنا نسمع مصطلحات لا علاقة لها بالوطنية أدت لإضعاف الرسالة الإعلامية وضياعها.

ووجه الباز في ختام حواره رسالة تقدير واعتزاز لكل زملاء العمل الذين ضحوا بكل ما يملكون لحشد الدعم والتأييد العربي لقضية فلسطين من خلال الكلمة والصوت والصورة، مؤكدا أن من يريد أن يعمل في مجال الإعلام يجب أولا أن يصل لمرحلة الإشباع المعلوماتي والثقافي، وأن يعرف تاريخ إعلام الثورة وحافظا لشعاراتها ومبادئها ومنطلقاتها وأهدافها والتي شكلت وعيا وفكرا ورسالة للعالم أجمع.