الزريعي: "فتح" هي رأس الرمح ومناضلوها يفكرون بحجم الوطن المتسع للجميع
"مانديلا فلسطين" يروي لـ"الحياة الجديدة" حكاية أول ثورة فلسطينية خالصة القرار والدم

*كل الذين خرجوا من "فتح" لم يعد لهم حضور
*الرئيس محمود عباس يقود القضية الفلسطينية من نجاح إلى نجاح
غزة– الحياة الجديدة– حوار: أكرم اللوح
"هي الثورة، والكفاح، والقرار المستقل، ماضي وحاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني" بهذه الكلمات معدودة الأحرف، عميقة المعنى والجذور، لخص المناضل سليم الزريعي عضو المجلس الثوري لحركة فتح، دلالات ومعاني الأول من يناير 1965م، ذكرى انطلاق الثورة الفلسطينية وإطلاق حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح".
الأسير المحرر سليم الزريعي الذي أسماه الشهيد ياسر عرفات "مانديلا فلسطين" تقديرا لنضاله وسنوات الأسر التي قضاها في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وزادت عن الـ "23" عاما، يتذكر جيدا اللحظات الأولى لانطلاق الثورة الفلسطينية، ورغم اعتقاله عام 1970م، من قبل الاحتلال والحكم عليه بالسجن 14 مؤبدا، إلا أن تلك المرحلة لا تفارقه تفاصيلها الدقيقة، والمخاض العسير الذي أوجد لشعبنا لأول مرة ثورة فلسطينية خالصة القرار والدم.
يشرح الزريعي لمراسل "الحياة الجديدة" المرحلة التي سبقت إعلان انطلاق حركة "فتح" قائلا:" كانت الأحزاب الفلسطينية بكافة أشكالها، تعول على الجيوش العربية لتحرير فلسطين، ولكن إخواننا في النواة الأولى لحركة فتح خلصوا إلى نتيجة مفادها أن فلسطين لن تحرر إلا بسواعد أبنائها، ولا بد أن يكون فيها حركة تحرر وطنية، تكون رأس الرمح، وتستند لعمقها العربي والإسلامي، وهنا برزت حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح".
ويضيف الزريعي: "كان الشهيد خليل الوزير من القادة المؤمنين بفكرة الكفاح المسلح، فحينما نفذت عملية "حاووز زوهر" في الخمسينيات، أي قبل إعلان انطلاقة حركة "فتح"، كان الوزير فرحا بها، وذهب إلى الجامعة التي كان يدرس بها ليبشر الطلبة بتلك العملية، وكان مقتنعا بهذا النهج وداعما لتبني الكفاح المسلح وضرورة وجود حركة فلسطينية لها قرارها المستقل بعيدا عن أي وصاية".
وكشف الزريعي عن اللحظات الأولى التي تبلورت فيها فكرة انطلاق حركة "فتح" قائلا:" كانت في القاهرة عندما كان يرأس الرئيس الراحل ياسر عرفات رابطة اتحاد طلبة فلسطين، وشاركه في بلورة تلك الفكرة الكثير من القادة مثل أبو إياد وسليم الزعنون وغيرهم " وبدأت حينها الاتصالات بالقوى الفلسطينية والشخصيات القيادية في الأقطار العربية من السعودية، والكويت، وقطر التي كان فيها الرئيس محمود عباس".
وأشار الزريعي للجدل الذي حدث حول موعد انطلاق حركة فتح في تلك الفترة، موضحا أنها كانت في الأول من يناير عام 1965م، بالرغم من أن عملية نفق "عيلبون" نفذت في 1964\12\28م، ولكن صدر البيان الأول في 1965\1\1م، منوها إلى أن أعداد المنتسبين كانت قليلة في تلك الفترة، ولكن وجدت الحركة الحاضنة في مخيمات اللجوء بسوريا ولبنان وفي الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأوضح أن حركة "فتح" بدأت بإمكانيات بسيطة، وبعمليات متواضعة، ولكن بمال فلسطيني خالص، وبدم فلسطيني خالص، وتركزت الأعمال الفدائية في العام 1967م على الأراضي الفلسطينية المحتلة مع عدم إغفال باقي المناطق التي يتواجد فيها جنود الاحتلال، إلى أن جاءت معركة الكرامة والتي تعتبر نقطة فاصلة في تاريخ ثورتنا الفلسطينية وفي بناء وقوة حركة "فتح".
ويتذكر الزريعي جيدا معركة "الكرامة" قائلا:" كنت في الصفوف الأمامية مع رفاقي في حركة "فتح"، وجاء أبو عمار وقتها ليخبرنا باحتمال محاولة الاحتلال الإسرائيلي اختراق خطوط الفدائيين على طول نهر الأردن، مؤكدا لنا أن فتح وجنودها سيثبتون في مواقعهم، وسيدافعون عنها حتى آخر رمق، ولن ينسحبوا".
وأكد الزريعي انسحاب فصائل فلسطينية من مواقعها خشية من اختراق إسرائيل لتلك المواقع، مؤكدا أن فتح وجنودها صمموا على البقاء وعدم الانسحاب برفقة سرية كان يقودها الملازم أول صائب العاجز، مشيدا في نفس الوقت بالتلاحم الفلسطيني الأردني في تلك المعركة، إلى أن جاء يوم النصر وانسحب الاحتلال بتاريخ 1968\3\21م وترك عرباته وجثث جنوده في ميدان المعركة، وكان هذا المشهد يحدث لأول مرة في تاريخ دولة الاحتلال.
وحول التسمية التي أطلقها الزريعي على معركة الكرامة بأنها كانت نقطة مفصلية في تاريخ الثورة الفلسطينية قال:" بعد انتصار حركة "فتح"، في تلك المعركة، تدفق سيل هائل من المتطوعين العرب والفلسطينيين في صفوف حركة فتح، ولم تكن لدينا القدرة على استيعاب هذا الكم الكبير، وأتذكر أنه كان من بين المتطوعين الأمير فهد الصباح، وجاء جنديا مقاتلا يرغب في الانضمام لصفوف حركة فتح.
ونوه الزريعي إلى أن "فتح" سارعت في تلك الفترة بفتح مراكز التدريب في الأردن لاستيعاب المتطوعين وبدأت الشعوب العربية وقادتها يتغنون بثورتها الفلسطينية، وقال حينها الشهيد جمال عبد الناصر إن الثورة الفلسطينية وجدت لتبقى وأضاف عليه أبو عمار ووجدت لتنتصر.
سنوات الاعتقال
واعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي المناضل الزريعي بتاريخ 1970\7\27م، حين كان على متن أحد القوارب البحرية قرب خليج حيفا، وأمضى أكثر من 40 يوما داخل أقبية التحقيق وهو مسجل "مجهول الهوية"، إلى أن تمكن أحد المتعاونين مع الاحتلال من التعرف على هويته، ليتم نقله إلى معسكر الصرفند العسكري ويقضي ثلاثة أشهر تحت التعذيب والتحقيق، وينقل بعدها إلى سجن عسقلان الذي قضى فيه تسع سنوات، ليتنقل بين معتقل السبع ونفحة وزنازين العزل الانفرادي 23عاما وشهرين.
لحظة الإفراج عن الزريعي لها حكاية فريدة، وبدأت حين تم استدعاؤه من قبل إدارة السجن للقاء الدكتور أحمد الطيبي، الذي أبلغه بتحية وسلام القائد ياسر عرفات، وأخبره أن الشهيد أبو عمار طلب أثناء توقيع اتفاق أوسلو في واشنطن وبحضور الرئيس الأميركي الإفراج عن سليم الزريعي والشيخ أحمد ياسين.
وأوضح الزريعي مزيدا من التفاصيل قائلا:" كرر الرئيس عرفات طلب الإفراج عني والشيخ ياسين خمس مرات قوبلت جميعها بالرفض من قبل الجانب الإسرائيلي، ولكن في المرة السادسة وبعد ضغط من الرئيس الأميركي بيل كلينتون وافقت إسرائيل على إطلاق سراحه، ولكنها أصرت على رفض الإفراج عن الشيخ ياسين".
وكشف الزريعي لمراسل "الحياة الجديدة" أنه لم يكن مصدقا لما قاله الدكتور أحمد الطيبي، حتى جاء يوم الثلاثاء الموافق 1993\10\19م، وصافحت كل زملائي في السجن، وانتابني إحساس وشعور الجندي الهارب من المعركة، الذي ترك رفاقه، كنت حزينا جدا، إلى أن وصلت في سيارة لحاجز "ناحل عوز"، ووجدت الدكتور الطيبي بانتظاري برفقة العديد من وسائل الإعلام الفلسطينية والأجنبية".
أحد مراسلي التلفزيون الأميركي سأل الزريعي عن مدى فرحته بعد إطلاق سراحه، ولكن كانت الإجابة مدهشة للجميع حين رد عليه قائلا:" إنني حزين جدا اليوم، لأني تركت أحد عشر أسيرا فلسطينيا عشت معهم كعائلة واحدة لأكثر من 23 عاما".
جميع لحظات الحزن التي شعر بها الزريعي تغيرت فجأة، وانقلبت المشاعر والأحاسيس وفقا لقوله حين استقل السيارة مع الدكتور الطيبي ودق هاتف السيارة، وإذ بالمتحدث الرئيس أبو عمار، ويقول الزريعي:" كنت من أسعد الناس، لقد سمعت صوت أبو عمار بعد سنوات طويلة من الفراق، كانت لحظة مؤثرة جدا، ومسحت المكالمة كل سنوات الاعتقال".
سارت السيارة بالمحرر الزريعي داخل قطاع غزة، كان كل شيء قد تغير، فهذه مدينة دير البلح مسقط رأسه، والتي كانت عبارة عن شارع واحد ومنازلها مبنية من الطين، قد تغيرت، مضيفا:" لم أعرف من أقاربي إلى عمي وأخي".
ولكن رغم كل تفاصيل الأسر ومشاعر الفرح والحزن، كانت اللحظة الأشد فرحا وسرورا لدى المحرر الزريعي، لحظة لقاء الرئيس أبو عمار في تونس، قائلا:" دخلت السجن في عمر الـ22 وخرجت في عمر الـ46 ولكن عرفني أبو عمار خلال استقبالي في المطار".
لماذا حركة "فتح"
وحول اختيار الزريعي لحركة "فتح" قال لمراسل "الحياة الجديدة": فتح هي حركة تحرر وطني، ذات وجه عربي وقلب عالمي، وترتكز على أن لشعبنا القول الفصل في قضيته، وهي رأس الرمح، هي حركة ليست حزبية، يفكر مناضلوها بحجم الوطن الذي يتسع لكل مكوناته الوطنية والمذهبية والعقائدية والدينية، فتح ترى بكل ألوان الطيف الفلسطيني، وأجمل ما يميزها أنها صورة مصغرة عن الشعب الفلسطيني".
ورغم المراحل الصعبة التي عاشتها حركة "فتح" خلال مسيرتها الثورية من تدخلات عربية وانشقاقات والاجتياح الإسرائيلي لبيروت، إلا أنها بقيت صامدة محافظة على القرار الفلسطيني، لتؤكد للجميع وليسجل لها التاريخ أن كل محاولات ذبحها من الداخل فشلت، وكل من أعلن تمرده عليها وخرج منها بات نادما على ما فعل، وكل الذين خرجوا من فتح خرجوا من التاريخ ولم يعد لهم حضور في تاريخ الثورة الفلسطينية.
وعبر الزريعي عن ثقته بقدرة "فتح" بقيادة الرئيس محمود عباس على تجاوز المرحلة الصعبة والخطيرة التي تواجهها قضيتنا الآن، خاصة في ظل الهرولة العربية على التطبيع مع الاحتلال دون خجل أو وجل، مؤكدا على ضرورة توحيد صفوف أبناء الحركة، ومنح كوادرها في قطاع غزة الاهتمام اللازم، لننهض بقضيتنا ومشروعنا الوطني في ظل التحديات التي نواجهها".
وتطرق الزريعي بألم لواقع غزة، منوها إلى ظروف شباب حركة فتح وكوادرها الذين يدفعون الغالي والنفيس ثمنا لانتمائهم لهذه الحركة العظيمة، وما زالوا متشبثين بمبادئها وأفكارها ورسالتها حتى التحرير والنصر وبناء الدولة الفلسطينية.
وأكد الزريعي على دور غزة في الثورة الفلسطينية إلى جانب باقي مناطق فلسطين المحتلة، مستذكرا أبو يوسف النجار وكمال عدوان وخليل الوزير وصلاح خلف وعبد الفتاح حمود والشهيد الراحل ياسر عرفات.
وحول التحدي الكبير في المرحلة الحالية، أشار الزريعي إلى وحدتنا الحركية والوطنية، قائلا:" لن نستطيع مواجهة العدو بجبهة داخلية مفككة، ويجب أن يكون الهم الأول والأساسي توحيد جبهتنا الداخلية، وأعتقد أن القيادة الفلسطينية تدرك ذلك وتسعى لتحقيقه بكل السبل والإمكانات".
فتح بين الأمس واليوم
أكد الزريعي أن الرئيس محمود عباس يقود القضية الفلسطينية من نجاح إلى نجاح، وكل يوم نراكم بفعل سياسته نجاحات كبيرة على الصعيد الدبلوماسي والسياسي، مشددا على أن الرئيس عباس هو رئيس لكل الشعب الفلسطيني.
وقدم الزريعي في نهاية حديثه رسالتين الأولى للشباب قائلا:" أنتم المستقبل، ولا تشعروا باليأس والإحباط، يجب عليكم أن تبدعوا في صناعة الأمل، وتسعوا لتحقيقه، مشددا على ضرورة رعاية هذا الجيش وإعطائه الاهتمام اللازم، مؤكدا قدرته على تحمل المسؤولية والقيام بالواجب الوطني".
وفي رسالته الثانية، وجه الزريعي حديثه للفصائل الفلسطينية مطالبا إياها بأن تفكر بحجم الوطن، وأن يعلموا بأن منظمة التحرير هي المظلة الجامعة للكل الفلسطيني، وهي وطننا المعنوي، الذي من خلاله نستطيع أن نتحدث ونتوحد، وأن نكون في إطار جبهوي جامع لا يفرقنا شيء" مضيفا:" من يعتقد أن بإمكانه أن يلغي الآخر أو يكون بديلا فهو مخطئ وواهم جدا، ويجب أن نتوحد على برنامج الحد الأدنى، ونقلع في معركتنا ضد الاحتلال موحدين".
مواضيع ذات صلة
الاعتداءات الجنسية تتسلل إلى زنازين الأسر وتلاحق الأسرى بصمت
مستوطنون يلاحقون جثمان ثمانيني!
جنين: هجمة استيطانية شرسة ومنع مواطنين من دخول برطعة الشرقية
ماراثون فلسطين في نسخته العاشرة.. لأول مرة صافرة البداية في رئتي الوطن
عشرات الآلاف يؤدون صلاة الجمعة في الأقصى وسط إجراءات إسرائيلية مشددة واعتقالات
عرابة: الاحتلال يواصل تجريف أراضِ لليوم الثالث
أم رمزي.. حكاية أم تطعم 50 فردًا بالصبر والعمل