عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 28 كانون الأول 2021

إحدى وعشرون سنة.. الثابت على الثوابت

بقلم: إبراهيم الحافي

قبل 21 عاما، وتحديدا بعد مرور أربعين يوما على اغتيالك يا قدوتنا، رسمت ابنتي (صابرين) بريشة طفولتها البريئة رسومات طفولية ترجمت من خلالها مشاعرها بفقدانك واستشهادك برصاص الاحتلال الغادر وعنونت رسوماتها بعبارة تحمل عنفوان وشموخ الطفل الفلسطيني (إحنا على محنا) !!!!!
كبرت صابرين وحققت حلمها بأن تكون محامية دفاع عن المقهورين والمظلومين وتزوجت وأصبحت أما، تلك الطفلة التي ولدت وهي البكر عندي ونحن في سجن (أنصار 3) في النقب الصحراوي (كيتساعوت) كما كان يسميه الاحتلال البغيض، وما زلنا من بعدكم أيها الشهداء شعب الله (الصابرين)، لكن يا حبيبي يا ثابت (إحنا مش إحنا)، فهل خاب ظن صابرين فينا يا ترى ؟؟؟!!! 
أبا أحمد، يا بوصلتنا وقدوتنا نحو الصبر والرجولة والثبات، يا قدوتنا وشعلتنا المتقدة لا تطفئها عثرات الليل ولا الزلات ولا مكائد المتآمرين، يا فكرنا ونهجنا ومسيرة نضالنا المرصوفة بالآهات والأنات والتضحيات !!! مضت شهور وسنوات وما زالت زرقة عينيك تشع لنا نور الحياة، خصلات شعرك الناعم الأشقر تغزل لنا جدائل الصبر والصمود، ضحكاتك وأغانيك العراقية التي ما زلت أسمعها وتعلمت حب العراق والأغنية العراقية منك ((مالي شغل بالسوق مريت اشوفك))، وهمساتك الرقيقة حاضرة أمامنا بشموخ وثبات، في كل ركن نراك وعند كل مفترق نلتقيك، في أفراحنا وأتراحنا وجلسات نقاشنا التنظيمي نستحضرك ونناجيك !!!
21 عاما، كأنها الأمس وكأن الأحد الدامي لا يريد أن يدمل ذلك الجرح الغائر الذي غرسه رحيلك في صدور محبيك، نحن وزوجاتنا وأبناؤنا وبناتنا وكم كبير من محيطنا الأسري مغروسون حتى النخاع في ماضيك !!! ذكرياتك حاضرنا وسيرتك النقية هي المحفز الكبير لنا كي نواصل المسير !!! (ثابت ثابت) لم يمت، الدكتور ثابت عنوان عظيم وتاريخ كبير، فكره جامع ونهجه ناجع، وحد الغني مع الفقير وجمع النقابي مع الوزير وزاوج بين العلماني والشيوعي والجهادي، فرض تواضعه الوطني على كل المسميات والرتب والمناصب، واعتلى صهوة المجد بنقاء وطهارة !!! 

من أرسلني رسولا لك؟
في الثمانينيات وأنا شاب يافع ومن الحركة الطلابية الفلسطينية من عرفني عليك؟ وكان لي الشرف العظيم في اللقاء بك إنه القائد الوطني الكبير الشهيد المرحوم فيصل الحسيني (أبو العبد).  ورغم أننا أبناء مدينة واحدة ومحيط جغرافي واحد إلا أن قيادة الأرض المحتلة وعنوانها قادة فتح في الداخل الفلسطيني وأنت واحد منهم، كانت تضم في جنباتها ومظلتها كل المناضلين وكل أبناء الحركة.. فلاحين، معلمين، مزارعين، عمال، طلاب، أطباء، منهدسين، محامين، مرأة، ورجال أعمال.. كانت شموليتكم في صهر كل الشرفاء في بوتقة نضالية واحدة وفي خندق المواجهة، كان حضورك مطمئنا، ومشجعا، ومحفزا، ومريحا، ليس لأبناء فتح وحدهم بل حتى لكل أبناء فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، لأنك كنت صمام الأمان للجميع، وكنت تستوعب الجميع والكبير القائد بيننا جميعا، هكذا أنت وهكذا استشهدت وهل ننسى جنازتك وحين شيعناك لمثواك الأخير؟
خرج أهل مدينتك الأبية الشامخة طولكرم من كل فج عميق ومن كل المحافظات والجوار شيبها وشبيبتها، نساء ورجالا، أطفالا وزهرات، ليودعوا جسدك الطاهر ويلقوا عليك السلام والتحية، وفي جنازتك المهيبة التي أرعبت أعداءك وقاتليك.. أنزل الله مطرا وبردا طيلة مسيرتنا بنعشك المسجى عليه جسدك الذي كان ينزف منه دمك الأحمر القاني مكان رصاصات الاحتلال الغادرة في كل انحاء جسدك غسلتك السماء بالبرد والماء والثلج، والله في يومها أمطرت الدنيا بطريقة مختلفة، كأن رب العزة يقول لنا وللناس ولشعبك: إنك شهيد وشهيد الله وهؤلاء هم أحبائي، فاتعظوا يا أولي الألباب. 
21 عاما، والوجع ما زال يضنينا وفقدك يا (أبا أحمد)، فاقم الغصة في قلوبنا وأدمى مآقينا، لا نعرف كيف أمضينا تلك السنين مذ رحيلك؟؟!! 
أبا أحمد يا قائدي، كل الأشياء تغيرت،!!!! نحن اليوم نقتات على سيرتكم (أنتم الأكرم منا) نتباهى بذكريات البطولة التي جمعتنا بكم، نتفاخر بأسمائكم ونغرس في عقول الأحفاد والأجيال مآثركم، قناعتنا الراسخة أنكم صمام الأمان لحياة الأجيال القادمة وأن سيرتكم هي ضمانتهم الوطنية وهوية نصرهم الحتمي. ونقول لك: والله إننا ما زلنا على العهد رغم الظلم الذي حل بنا.  
في ذكراك أيها الشهيد الأنيق، أسترد الذاكرة وأمر بعنفوان على كل محطة ومرحلة عملت فيها معك، أدقق كثيرا في مجريات الأيام والشهور، أخرج ألبوم صوري التي أنت تزينها، لأتنفس عبق الرجولة والشهامة وأقف شامخا كشجر التين والزيتون لا تنحني لي هامة ولا تلين لي قصبة، فأنا ابن الثابت وأخ الثابت وصديق الثابت ورفيق درب الثابت، أنا الثابت على الثوابت فكرا ونهجا وانتماء .. نم قرير العين يا حبيبي فكما ينام العشب بين مفاصل صخرة ولدنا رفيقين معا، ولدنا حبيبين معا.
رحمك الله ورحم الله كل شهداء فلسطين.