عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 25 كانون الأول 2021

أطفال مخيم مار إلياس يشقّون جدار صمت بيروت المنكوبة بأزماتها

أدخلوا البهجة إلى القلوب في عيد الميلاد المجيد

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- هم أطفال مخيم مار إلياس للاجئين الفلسطينيين، الذين شقوا جدار صمت العاصمة اللبنانية بيروت المنكوبة بأزماتها المتلاحقة، وقد صدحت أصواتهم من أروقة المخيم الضيقة، بأهازيج كانت أشبه بسيمفونية تبث الحياة في أرواح أهل المدينة الذين ضاقت بهم الأفراح والأعياد.

مرة أخرى يتلو الفلسطينيون قصص التحدي وإرادة الحياة، لا مكان للحزن في أوقات الأفراح، وللأعياد وقدسيتها التي يحييها الوطن، من مخيمات الشتات إلى كل العالم رسالة أجيال فلسطين تتجدد بأنهم أهل الأرض التي ولد عليها السيد المسيح عليه السلام ومصرون على العودة إليها، تسبقهم شارة نصرهم كالمعتاد أمام كل عدسة تريد التقاط صورة لهم يحرصون من خلالها على نقل حقيقة موقفهم الوطني إلى خارج المخيم.

متنقلين بين أحياء المخيم وبيوته، لون أطفال فلسطين العيد بفرحتهم وأدخلوا البهجة إلى قلوب أهاليهم، الذين تميزت وكالمعتاد تحضيراتهم لليلة المجيدة، ولو أن الأزمة الاقتصادية التي ضربت لبنان حدت منها بعض الشيء.

أشجار الميلاد زينت بيوت المخيم، وشارك المسلمون إخوتهم المسيحيين عيدهم، يقول الفلسطيني ابن مدينة يافا ايلي السوري وزوجته جيني الشامي ابنة بلدة آبل القمح القريبة من الحدود اللبنانية، وقد ولدا في مخيم مار إلياس وتزوجا فيه وأنجبا أولادهما الثلاثة: نحن هنا نتشارك كل المناسبات ونعيش الحياة سويا كالإخوة بحلوها ومرها، نشعر بالإنسانية هنا.

لا يخفي الزوجان علاقتهما بالمخيم وسرد ذكرياتهما فيه، الزوج ايلي عاد إلى المخيم بعد 15 عاما من السفر خارج لبنان، يقول: لم أستطع العيش بعيدا عنه وعن شعبي الذي تجمعني به قضية الوطن الواحد ومآسي اللجوء.

لا يعرف إيلي شيئا عن أقارب من عائلته في يافا وهو الذي ما زال محتفظا بأوراق ملكية أراض فيها ورثها عن جده، يقيم الاحتلال على قسم منها فندقا اليوم.  ويواصل الحديث مما سمعه من كبار عائلته الذين هجروا إلى لبنان عن أن يافا تضم أكبر وأقدم كنيسة، وتمتاز بالتعايش المشترك بين أهلها.

تحكي جيني عن طفولة جميلة في المخيم وقلوب ناس طيبين يحبون بعضهم البعض، حتى انهم كانوا يتبادلون البيوت بشكل يتلاءم مع عدد أفراد العائلة، وتتطرق إلى خالها المغترب منذ 40 عاما في ألمانيا، كيف أنه حين يزور لبنان ويأتي إلى مخيم مار الياس، يقلع حذاءه ويمشي مع أطفال المخيم الذي يحبونه وينتظرون مجيئه فيغنون سويا أغاني الوطن واللجوء.

ويسرد الزوجان: أجدادنا وأهلنا أتوا إلى هنا بعد نكبة 1948، لجأوا في البداية إلى دير مار الياس (طائفة الروم) الذي قام بتأجير أرض المخيم المجاورة له إلى الأونروا، في عيد الميلاد، كانوا يقطفون عرقا صغيرا من شجر الصنوبر الذي كان يملأ المكان ويزينونه في الخيم التي سكنوها على مدى سنوات قبل السماح تدريجيا لهم بالبيوت المسقوفة بألواح الزينكو، كانوا يتمنون لو أن الأعياد تعود في بلادهم، ويخبروننا كيف كانوا يذهبون إلى الأديرة والكنائس هناك في العيد، نحن حملنا العادات التي كانوا يفعلونها في فلسطين ويحدثوننا عنها ونفتخر مثلهم بأن المسيح عليه السلام ولد في فلسطين.

لا تخفي جيني تأثير الظروف الصعبة على بعض عادات سهرة الميلاد، هذا العام سيقتصر تقديم الهدية لشخص واحد وستكون رمزية، هكذا اتفقنا، تقول، وتمضي في تحضيراتها لليلة العيد وتسترجع بالذاكرة ما تعلمته من جدتها أم باسيل التي يعرفها كل سكان المخيم وهي التي أتت اليه حين كان عمرها 25 عاما، بينما بقي كل أهلها في فلسطين، ربت أولادها في مخيم مار الياس وفارقت الحياة فيه.

معجنات بالجبنة، وكعك بالتمر، وأكلات فلسطينية تراثية حرصت جيني أن تكون على طاولة عشاء الميلاد، ابنها سليم لبس ثياب "بابا نويل" ووزع على أطفال المخيم هدايا العيد الرمزية، جو من الفرح والألفة عم المكان.

وهنا ايضا تعيش منى مرجي المرأة الفلسطينية، التي ولدت في مخيم مار الياس، مع أولادها الثلاثة بعد وفاة زوجها منذ 11 عاما والذي تفتقد له كثيرا، تقول: العيد يبكينا ولو كنا لا نعرف فلسطين، نحن بعيدون عن وطننا وأحبة لنا، نصف أقاربنا بقوا في الوطن ونصفهم هجروا إلى هنا.

وتضيف: أحد أقاربي زار فلسطين بجواز سفره الأجنبي نقل لي بعضا من ترابها، اعتبرتها أثمن هدية،  تقاسمها معي أقاربي هنا، و3 برتقالات من يافا رائحتها مختلفة، ربما شعرت بذلك لأنها من ارض الوطن الذي حاولت كثيرا أن أزوره ولكني لم أستطع. 

علقت منى شجرة ميلاد في زاوية منزلها، كانت قد أهدتها إياها أمها المتوفاة منذ 26 عاما، تقول: كلما أفردها أبكي على ذكراها.

وتصف منى أجواء العيد هذا العام بالمختلفة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان، فقد كانت التحضيرات تسبق العيد قبل أسبوع ومع ذلك يبقى الميلاد بالنسبة إليها عيد الرحمة والمحبة والعطاء والبركة.

اعتاد أهالي مخيم مار الياس أن يشاركوا في قداس كنيسة مار الياس القريبة صباح يوم العيد، مع حرصهم على متابعة مراسم الميلاد المجيد عبر شاشة تلفزيون فلسطين الذي ينقلها لهم مباشرة، وهم يتمنون العودة إلى وطنهم وإحياء ليلة الميلاد فيه، ولديهم الإيمان بتحقق ذلك، لا شيء بعيد عن الله يقولون. 

وحرصا على الاحتفاء بعيد الميلاد المجيد، ولإدخال الفرحة على العائلات المسيحية من أبناء شعبنا الفلسطيني، ولأن فلسطين تعطي دائما المثل الأعلى بالتعايش الإسلامي المسيحي، وبالتنسيق مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني" فتح" قيادة منطقة بيروت-  شعبة بيروت الغربية، وزعت مساء أمس الأول الخميس جمعية أصدقاء فلسطين في ألمانيا، حملة الدكتور الشهيد نبيل خير، الهدايا على عوائل مخيم مار الياس.

واشترك بتوزيع الهدايا "سانتا كلوز"، المعروف بـ "بابا نويل"، حيث جال في أزقة المخيم وزار منازل العائلات، ووزع الهدايا، أدخل الفرحة والسعادة إلى قلوب الأهالي كبارا وصغارا، وطغت على هذه البادرة الطيبة أجواء عيد الميلاد المجيد في أرض المخيم.

وشملت مبادرات سفارة دولة فلسطين في بيروت وحركة فتح كل أبناء الطوائف المسيحية من ابناء شعبنا الفلسطيني في لبنان، إذ شهدت المخيمات نشاطات احتفالية عديدة بالمناسبة تخللها تقديم الهدايا، وقد تقاسم أبناء الوطن الواحد أجواء العيد سويا.