عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 23 كانون الأول 2021

السلوادي.. "عين فلسطين"

على كرسي متحرك وللحلم بقية

رام الله- الحياة الجديدة- فداء سالم أبو منيفي- منذ صغره كان شغوفًا بالتصوير حتى أصبح مصوراً صحفيا حاصلاً على جوائز عالمية ومحلية وموثقاً للتراث الفلسطيني، لقد صعد سلم النجاح بكل ثقة وقام بتغطية أهم الأحداث الفلسطينية، لكن تتغير حياة الإنسان بين عشية وضحاها، حيث إنه قد يواجه ما لم يكن بالحسبان.

في الطريق حكاية

طريق صعبة إلى رام الله، على جانبي الطريق مستوطنات جاثمة يمنة ويساراً، وكأنها خلايا سرطانية اخترقت جسدا عليلا، جنود الاحتلال  يحيطون بك على حاجز زعترة مصوبين أسلحتهم تجاه كل سيارة فلسطينية تمر، وحينما تسير السيارة ببطء خشية من أي رد من الجنود، تتجاوز دواراً ثم تواصل طريقها جنوباً، تبدأ مرحلة جديدة، هنا قرية وبجانبها مستوطنة، وهناك قرية وبجانبها مستوطنة أخرى، وكأنها قدر للفلسطيني أن يعيش في سجن كبير.

 حينما تصل إلى رام الله بعد أن تتجاوز حاجز "بيت ايل" تتراءى أمامك عمارات سكنية ضخمة  تنتشر في كل أرجاء المدينة، وكأنك أمام صناديق إسمنتية  تملأ المكان.

 على هذا الشارع بائع قهوة على الرصيف ينادي  بجانب عربة، وكأنه يخترق الزمن الماضي ببساطته، هنا رجل مقعد على كرسي متحرك وطفل يركض ويلعب أمامه ليذكره بطفولته وشبابه،  حينما تصل إلى حي الماصيون تنتشر كثير من المؤسسات بطابعها العمراني الحديث، لتواصل السيارة بين منعرج وآخر إلى متحف محمود درويش، بدأت أفتش عن الشخص الذي جئت من أجله  ليخرج أمامي شخص أسمر البشرة ذات حواجب معقودة، بوجهه لحية مخالطها الشيب جالساً على كرسيه المتحرك ينظر إلى هاتفه، رأيت حينها مشهداً يجمع بين وجه يحمل معالم وهموم وطن وتراث آلاف السنين وبين القرن الواحد والعشرين والتطور التكنولوجي إنه موثق التراث الفلسطيني أسامة السلوادي.

-"مرحبا  كيف حالك إن شاء الله تمام"؟

-"أهلا، تمام الحمدلله".

-"بتحب نبلش المقابلة؟ بس خلينا نقعد بمكان مناسب".

-"تمام نقعد هناك"، مع الإشارة  بعينيه اللتين اتجهتا نحو المقاعد.

وهكذا اتجهنا وبدأت المقابلة.

 

النشأة والطفولة

 وُلد أسامة سلوادي في ليلة ماطرة باردة من شهر شباط عام 1973م في قرية سلواد بمحافظة رام الله والبيرة، كانت نشأته بقرية ريفية وعائلة تقضي جل وقتها في الأرض والاعتناء بها، فهي تهوى الأرض والزراعة، والأرض بالنسبة لهم كالحضن الدافئ يحتضنهم يومياً، ومنذ صغره كان  كالعصفور المتنقل من شجرة لأخرى، يتسلق الأشجار، ويشارك عائلته في الحصاد وفلاحة الأرض.

 كانت أسرته تعمل في جميع المواسم من زراعة وحصيدة لموسم التين وموسم الزيتون وزراعة الخضراوات البعلية وغيرها،  باستثناء فترة أربعينية الشتاء التي تحمل معها البرد القارص، توفي والده وهو طفل يبلغ من العمر(12) عاماً من بعد أن زرع فيه حب الأرض، فحياته حافلة بالاتصال بها منذ نعومة أظافره فهو والأرض حكاية روح ارتبطت بسنابل قمح، وحبة زيتون،  وحفنة تراب جبلت بعرق جبينه ؛ مما لفت انتباهه لجمال طبيعة بلدته سلواد، الواقعة على قمم تلال ذات مكان ساحر وخلاب، لطبيعة يوجد بها جميع أشكال الزهور والطيور والزراعة؛ ما ولد به حباً وانبهاراً بهذه الطبيعة، ليصبح  كالغزال الجبلي يعشق التجول بالجبال، حتى بدا عليه الشغف والرغبة الشديدة لتوثيق جمال فلسطين وطبيعتها.

 

رحلة الصعود

كبر الطفل وكبر معه حلمه بدأ الخطو شيئاً فشيئاً في رحلته مع التصوير منذ عام 1991م حين كان يبلغ من العمر(17) عاماً، إن المشوار في بدايته ليس سهلاً على الإطلاق، فلم يكن يملك ثمن الكاميرا التي تلبي شغفه، في ذلك الحين كانت عملية التصوير مكلفة إذ تحتاج لتحميض وفيلم وطباعة، ما دفعه لاستئجار كاميرا من الاستديو.

 في بداية رحلته، لم تكن لديه المعرفة والخبرة الكافيتان بالتصوير وحرق أفلاما ًعديدة، لكنه تسلح بالتصميم على السير نحو شغفه، وكوّن عدداً لا بأس به من الزبائن لالتقاط الصور لهم مقابل مردود مادي يعينه بعض الشيء في الاتجاه نحو تحقيق طموحه؛ ليستطيع اقتناء الكاميرا الخاصة به فيما بعد، فهو يعير اهتماماً لتحقيق ذاته، واقتناء أول كاميرا خاصة به كانت تعد احترافية بذاك الوقت، ليكون نموذجاً لامعاً في مجال التصوير الصحفي.

 

شعلة الانتفاضة

 لم يكن خلال شعلة الانتفاضة الأولى الكثير من المصورين الصحفيين،  فماذا عن شاب فلسطيني بلاده محتلة، وسلاحه الوحيد الكاميرا، ومتشبث بأرضه كطفل يتشبث بعنق والده، يمتلك عزيمة واصراراً وروح مغامرة مثل أسامة سلوادي؟ بالطبع سيحمل سلاحه وينزل الميدان، إنها لحظة دخول المعترك المهني لتخطفه أحداث الانتفاضة الشرسة من جمال وهدوء الطبيعة الخلابة، وبالتقاطه لمشاهد توثق الأحداث الفلسطينية واعتداءات الإحتلال الإسرائيلي تحولت الانتفاضة إلى شعلة انطلاقة تتلاحق عليها الصحف المحلية والعالمية، إنها صورة التقطها أسامة عقب  الانتفاضة في مدينة نابلس لشاب فلسطيني بيده حجارة وجندي إسرائيلي مدجج بالسلاح قابضاً على عنقه تحت ذراعيه (حركة كسر الرقبة) وما زال الشاب متمسكاً بحجره، لتنتشر بجميع الصحف العالمية .

في عام 1994 انتقل من مرحلة التصوير لصحف محلية فقط إلى العمل مع صحف عالمية وقد تزامن ذلك مع إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، وما زالت الصراعات مستمرة.

 فالانتفاضة الثانية كانت الأشد وطأة وشراسة، لتنقله من قالب المصور الصحفي المحلي الذي يصور ضرب الحجارة والأحداث السياسية إلى المصور الحربي الذي يتنقل بين الدبابات واطلاق النار والصواريخ، حاملاً روحه على كفيه.

 وفي شريط ذكريات أسامة ما زالت عالقة أعنف التغطيات والمشاهد المتلاحقة لسنوات الحصار كلها.

إنها لحظات حصار الرئيس الراحل ياسرعرفات الذي تعرض لعدة موجات متكررة من الحصار وما خلفه الإحتلال الإسرائيلي من تدمير، كان مبنى المقاطعة مهدماً متهالكاً، على إثر ذلك آثر أسامة ألا يستريح إلا بعد إكمال مهمته، أربع سنوات لم يأخذ إجازة ليوم واحد، كان يرى أبا عمار يومياً حتى أصبح هناك جو من الألفة، وأصبح خبيراً في التعامل مع الصحافة حتى بات يفهم عليهم من نظراتهم.

يقول أسامة "كنا اذا نظرنا لأبو عمار يعرف انو معناها زبط الحطة وأحيانا يبتسم وأحيانا يكون غضبان حسب الوضع السياسي".

أما عن لحظة جنازته، كانت حدثاً مؤلماً وحزيناً على كافة الشعب الفلسطيني، لحظات ومشاهد التقطها أسامة بعدسته وسجلت بالتاريخ، إنها  فترة قاسية جداً لآخر هبوط لمروحية حلقت بالختيار فوق فلسطين وخارجها، لكنها كانت الرحلة الأخيرة إلى دار الخلود، تلك المشاهد بقيت آثارها ومشاهدها خالدة في ذاكرة السلوادي وعدسته.

 

ما لم يكن بالحسبان

 تتغير حياة الإنسان بلمح البصر بين عشية وضحاها، حيث إنه قد يواجه ما لم يكن بالحسبان.

 في ليلة من أيام شهر رمضان المبارك عام 2006 ذهب أسامة إلى مكتبه وهو متعب ليقوم  بالتقاط صورة لصلاة الجمعة من الأقصى وتوزيعها على الصحافة العالمية، وإذ به يسمع صوت إطلاق نار كثيف، فضوله قاده إلى شرفة مكتبه ليعلم مصدر الرصاص، وإذ بالقدر قاده ليصاب برصاصة طائشة اخترقت جسده وتسببت له بشلل نصفي .

إنها مأساة! ابن الجبال والعصفور المتنقل خرج من بيته معافى ليعود إليه بجسد ينقصه الحركة.

استهل أسامة ذكريات إصابته وبث وجعه قائلا :"أن أصبح على كرسي متحرك لم يكن الأمر سهلاً، معاناة وألم خاصة أن أكون على كرسي متحرك في بلد لا يوجد بها وعي ثقافي نحو الأشخاص ذوي الإعاقة، لا يوجد بها المواءمة اللازمة للمباني والمؤسسات، لا يوجد بها الوعي الكافي تجاه احتياجات ذوي الإعاقة، لا يوجد أمامي إلا الإصرار أو الانهزام، وأنا اخترت الإصرار وأن أكون مختلفاً وأقدم شيئاً يخلد الذكرى التي اكتسبتها وأن أخدم وطني وقضيتي". 

أصبحت الإصابة نقطة التحول بحياة أسامة سلوادي لينطلق من عالم التصوير الصحفي والأحداث إلى التصوير الوثائقي ليسلط الضوء على واقع الحياة الفلسطينية، وكأنها نقطة بداية جديدة من مأساة  لشيء يحمل بين طياته التجدد والتطور ليصدر أسامة (11) كتاباً مصوراً، منها كتاب "أرض الورد"  وثق فيه الزهور البرية الفلسطينية، كان سبباً بإعادة أسامة لطبيعة بلاده وبحثه عن  أسماء الزهور البرية، ومواسمها، ومواعيدها، وأسمائها المحلية والعالمية والعلمية، والعودة للجبال ليستعيد  ذكريات طفولته وهو على كرسي متحرك.

 رغم أنه مقعد، ما زال لديه نفس طويل وبالشغف والطموح ذاتهما  ليعمل على توثيق التاريخ المصور، والحياة اليومية والبرية للشعب الفلسطيني من خلال العديد من المشاريع التوثيقية المصورة، حيث اتجه  ليكون كالعين للأجيال القادمة التي تجمع بين رواية الماضي والحاضر، فالتراث هو حكاية الأجداد للأحفاد ورداً على أكاذيب محتل يسرق تراثنا وأرضنا كل يوم أمام أعيننا.

لقد كانت أعواماً مليئة بالكثير من التجارب في حياة أسامة، والأهم أنه ما زال مليئاً بالطموح وحب الحياة، مر بظروف قاسية، لكنه تخطاها ولم يترك اليأس يتملكه يوماً، تراه أسداً شامخاً نابذاً دور الضحية مُسلماً أمره كله لله، مقتنعاً أن الإنسان عليه أن يترك أثراً جميلاً يُخلد للأجيال القادمة.

يقول أسامة  "أحاول أن أرى الضوء حتى من خلال الأماكن المعتمة".

مضت السنوات مسرعة، واتجه أسامة نحو عالم غامض بعزيمة  قوية، وأشرق الصباح وأشرق معه تحقيق الطموح في نفسه فأنطلق بالعالم الذي لطالما حلم به وأكد نجاحه، لم تكن رحلته خالية من العناء والتعب لكنه استمر في كفاحه من أجل الوصول، تنقل بعمله بين عدة مؤسسات محلية مثل: جريدة الأيام وجريدة القدس وجريدة الحياة الجديدة، وعالميا مع وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ووكالة رويترز، وجاما الفرنسية، وتايم مجازين، ونيوز ويك، وغيرها الكثير.. حصل على جوائز محلية وعالمية كثيرة، ليصبح ذلك الشاب ابن الجبال والطبيعة مصوراً صحفياً عالمياً يُطلب منه العمل في مؤسسات دولية وتحكيم جوائز عالمية وحاز أسامة على ألقاب من وحي عمله في توثيق التراث الفلسطيني، منها "عين فلسطين" و"موثق التراث  الفلسطيني ".

استطاع أن يصنع ذاته عند اول فكرة حلقت في خياله إلى هدف يراه بعينيه، يخطو إليه يوماً بعد يوم وما زال مستمراً.

 

للحلم بقية

أراد أن يصبح باحثاً في "الأنثرولوجي" والتاريخ والآثار من بعد رحلة شقاء وعمل ونجاح على مدار سنوات؛ إيماناً منه بأن من وضع العمر عائقاً أمامه لن يحقق شيئاً، فعاد أسامة  لمقاعد الدراسة مرة أخرى بعمر (46) عاماً لدراسة بكالوريوس لغة عربية، وهو الآن على أعتاب التخرج، ويطمح لإكمال دراسة الماجستير في علم الاجتماع لخدمة أغراضه البحثية لمشروعه الجديد وهو موسوعة الأرض والزراعة والطعام،  ليبدأ رحلته الجديدة  بتاريخ الطعام الفلسطيني من العصر الحجري الحديث حتى الآن .

إنها إرادة ومهارات زُرعت بداخله منذ صغره، ليسعى إلى اكتشافها وتطورها، كان مغامراً بمعنى الكلمة، مضت الأيام مسرعة وأسامة الذي هزم فاجعة إصابته بدأ من جديد، قرر لنفسه الإصرار ليصبح نموذجاً يحتذى به في حب الحياة والمواصلة، وفخراً لثلاث وردات ربيعية ولكل من عرفه، ورغم إطلاق الكثيرعليه من الألقاب خلال رحلته المهنية لكنه بقي ذاك الرجل البسيط المحب للفقراء، لا يأبه لكل متكلف متعجرف، وذاك الطفل المسكون بحب أرضه والمزروع بذرة في تراب بلاده وليالي شتائها .

حينما هممت  بالمغادرة، هرول السلوادي بكرسيه المتحرك على أحد الجنبات، فاتحاً ذراعيه للسماء، وكأنه يريد التحليق كطير يأبى أن يكون أسيراً لأي معيق، فها هو من التقط بعدسته كثيراً من الصور التي تخلد في الذاكرة، يعود مجدداً للانطلاق نحو رحلة جديدة لا تعرف اليأس، فعلى هذا الكرسي حُلم لم ينتهِ بعد. 

------------

المادة تأتي ضمن تدريب في مساق "الكتابة الإعلامية " لطلبة كلية الإعلام في جامعة القدس المفتوحة- فرع قلقيلية