عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 كانون الأول 2021

جبرا إبراهيم جبرا

تغريدة الصباح- حسن حميد *

أذكر، وأنا في مطالع تعلقي بالأدب، وسؤالي الدائب عن أهم الأدباء، عربا وأجانب، الذين هم على مسافة وتميز في الكتابة والتجربة، أوصيت ألا أقرأ كتابات جبرا إبراهيم جبرا، لأنها كتابات لا علاقة لها بفلسطين، ولأنها كتابات مخملية تتحدث عن البيوت الدافئة، والطوابق العالية، والألبسة الثمينة، والنساء الجميلات، والرسائل المتبادلة ما بين العشاق. كان ذلك الزمن في سبعينيات القرن العشرين الفارط، وكنت آنذاك طالبا في المدرسة الثانوية، وكان من أوصاني بعدم قراءته أستاذ من الأساتذة الذين أثق بهم، وكان فكره ماركسيا، وانتماؤه للمخيم، والفدائي، والقواعد الفدائية، والشهيد، والأسير، والمفقود، والمقابر التي باتت أوسع من رقعة المخيم، ولم يكن جبرا هو الوحيد في القائمة السوداء التي أوصيت بألا أقرأ كتاباتهم (لأنهم لا يفيدون مدونة السرد بأي شيء جميل) وكانت القولة النقدية الراجة لي ولأبناء جيلي، تتمثل في ما قاله أساتذتنا: إن الفرق كبير جدا ما بين كتابات غسان كنفاني وكتابات جبرا! وهو يشبه الفرق الكبير جدا ما بين خيمة الإعاشة، وخيمة إعداد الفدائي! كان من بين أسماء القائمة السوداء أدباء مثل: يوسف السباعي، وكوليت خوري، وغادة السمان، ونجيب محفوظ، وعباس محمود العقاد، وتوفيق يوسف عواد، وسهيل إدريس، والطيب صالح، وشعراء كثرة على رأسهم نزار قباني، لهذا حيدنا كتابات جبرا بعيدا عنا مدة عشر سنوات، أي إلى أوائل عقد الثمانينيات من القرن العشرين، بعد أن بات عمر التجربة الأدبية لجبرا أربعين سنة تقريبا، وأول من أشار إلى أهمية جبرا هو فاروق وادي حين قرن اسم جبرا باسمي اثنين من أدباء فلسطين أحببناهما كثيرا، وهما غسان كنفاني وإميل حبيبي؛ فاروق وادي زرع في نفوسنا الجرأة كي نقرأ جبرا جهارا نهارا! ورحنا نبحث عن كتبه، ولكم صدمنا لأنها غالية الثمن، وهذا مؤشر أعادنا إلى برجوازيتها! 
 ومع ذلك قرأنا جبرا بطرق كثيرة، ومعظمها كانت طرقا ملتوية؛ الآن أخجل من ذكرها، ولكم كانت مفاجأتنا كبيرة حين وقعنا على مغارة سحرية للرواية، والقصة القصيرة، مغارة سرد اسمها مغارة جبرا إبراهيم جبرا الذي كان مذهلا في رواية (السفينة) الصادرة سنة 1970، مثلما كان مذهلا في مجموعته القصصية الوحيدة (عرق وقصص أخرى) الصادرة سنة 1954، ولكم تلاومنا، وتعاتبنا لأننا قصرنا في قراءة جبرا العظيم الساحر.
بلى، جبرا تليق به الأوصاف الفخمة، فهو من أهم كتاب مدونة السرد الفلسطينية والعربية، إنه الأديب والمثقف الذي مزق خريطة الحدود الجغرافية، حين كتب أدبا يوازي في أهميته الجمالية الآداب العالمية التي أدركنا أهميتها حين قرأنا الأدب الروسي العظيم، أدب بوشكين، وغوغول، وتشيخوف، وتولستوي، ودوستويفسكي، وبونين، والآداب الأوروبية العظيمة التي أبدعها سرفانتس، وبوكاشيو، وغوته، وبلزاك، وهيغو، وديكنز، وجين أوستن، وشيللر، وفوكنر، وهمنغواي ..وكنا كلما أوغلنا في متابعة وقراءة جبرا، ومعرفة سيرته الأدبية (في البئر الأولى، وشارع الأميرات) نزداد إعجابا بهذا الأديب المفخرة، ابن بيت لحم الذي كتب روايته الأولى بالإنجليزية، وحملها معه إلى جامعة أكسفورد، والذي ترجم عيون الأدب المكتوب باللغة الإنجليزية لـ: شكسبير، وفريزر، وفوكنر، والذي شغل بالفن التشكيلي، رسما وتقعيدا ونقدا، مثلما شغل بكتابة الشعر الحديث الذي حير الشعراء والنقاد معا.
أجل، إن المعنى الفلسطيني الذي جعل من إدوارد سعيد المثقف الأول في الولايات المتحدة الأميركية، هو المعنى الذي جعل جبرا المؤسس الأول للرواية في العراق، والمؤسس الأول للفنون التشكيلية في العراق أيضا، وليكون المترجم الأهم عربيا، والأكاديمي الأبدي في جامعة بغداد.
جبرا إبراهيم جبرا ظلمته، وظلمت أدبه وثقافته، منابر كثيرة، وقولات كثيرة لكهان النقد (الذين أيدوا كتابات، وحطوا كتابات وفق مساطر آيديولوجية لا مساطر فنية، ومع ذلك ظل جبرا أديبا نجما، لا يمكن لأحد (وقد غدت تجربته الأدبية بين أيدينا) أن يشكك في انتمائه الوطني، وانتمائه إلى شجرة الإبداع العالمي ..لأن حياته وأدبه دارا حول المعنى الفلسطيني، ولأن إبداعه دار حول السؤال الكبير: 
كيف يصير الأدب نقشا آبدا على ذراع الزمن؟
--------------
* كاتب فلسطيني في دمشق
[email protected]