عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 13 كانون الأول 2021

"نورهان" إرادة تنتصر على السجان

 

رام الله- عزيزة ظاهر- الحياة الجديدة- "تمنيتك يا أمي لو رأيتني وأنا أكبر، فلم أعدْ تلك الطفلة الصغيرة، فأنا الآن ابنة 23 عاما، كبرت سبع سنوات يا أمي، وأنا بعيدة عنك وعن والدي وإخوتي وأخواتي، تمنيت أن أكون بجانبك لتقدمي لي النصائح وأبكي في حضنك عندما أشعر بضيق، مررت بمحطات كثيرة في الأسر، ولكن ليس بيدي سوى الدعاء لك ولوالدي الغالي وكل من أحب، امسحي دموعك يا أمي فدموعك غالية علي، وابتسمي فغدا أجمل بإذن الله".

هذه الكلمات ليست مقتطفات من رواية، بل جزء من رسالة إنسانية كتبتها الأسيرة نورهان عواد من مخيم قلنديا للاجئين شمال القدس لوالدتها، تخبرها فيها أنها تجاوزت مرحلة الطفولة في زنازين الظلم والظلام، كبرت وحنينها لحضن أمها الدافئ يكبر معها، ورغم حجم الألم إلا أن نورهان تبث الأمل في نفس والدتها بأن القادم أجمل.

فمنذ اللحظة التي تلت النهوض من الصدمة الأولى بعد الأحداث المؤلمة التي ألمت بعائلة الأسيرة نورهان في الثالث والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر عام 2015، أدركت العائلة أنها أمام قصة إنسانية بنكهة الألم، كحال قصص إنسانية في كثير من البيوت الفلسطينية،  ففي صبيحة ذلك اليوم توجهت نورهان ابنة الصف العاشر كما في كل يوم برفقة ابنة عمتها هديل إلى مدرسة المخيم، على ما يبدو أن حقائبهن المدرسية خيلت لجنود الاحتلال جعبا عسكرية تخبئ أسلحة نووية، فأمطروهن بوابل من الرصاص الحي، استشهدت "هديل" على الفور، وأصيبت "نورهان" بثلاث رصاصات، اخترقت ظهرها ورجلها واستقرّت واحدة في بطنها وتم اعتقالها ونقلها إلى المشافي الإسرائيلية، وظلت أربع ساعات في غرفة العمليات وجرت إزالة رصاصتين، فيما لم تتم إزالة الرصاصة الموجودة في الجهاز الهضمي في منطقة البطن خوفا من تحرك الرصاصة عن موضعها وتسبب لها مضاعفات صحية حسب زعم الاحتلال، وتم التحقيق معها وهي تحت التخدير في المشفى دون مراعاة لخطورة وضعها الصحي وقبل أن تتعافى تم نقلها إلى سجن هشارون للنساء.

أصرت النيابة العسكرية الإسرائيلية على توجيه تهمة محاولة تنفيذ عملية طعن والتخطيط لقتل مستوطنين بحق الأسيرة "نورهان" مع ابنة عمتها الشهيدة "هديل"، فأصدرت بحقها حكما قاسياً ومبالغا فيه بالسجن لمدة 13 عاما، وتم تخفيض ثلاثة أعوام من مدة الحكم، لتصبح 10 أعوام وغرامة مالية بقيمة 30 ألف شيقل، وتقبع في سجن الدامون منذ افتتاحه قبل 4 سنوات.

نورهان الطفلة التي اخترق الرصاص جسدها وحقيبتها المدرسية تاركة مقعدها ومدرستها، لم تستطع القضبان والسلاسل قتل روحها إذ حققت نجاحا بمعدل 94% في الثانوية العامة، والتحقت للدراسة بجامعة أبو ديس تخصص علم اجتماع.

وقد بادرت تلك الأميرة المكبلة بالسلاسل بالتبرع بجديلة شعرها لمرضى السرطان لتكون فخرا لعائلتها ووالديها ومخيمها.

تقول أم محمد والدة نورهان لـ "الحياة الجديدة": تميزت نورهان قبل اعتقالها بتحصيلها العلمي وحصولها على المراكز المتقدمة دائماً، ويستمر نجاحها وهي خلف القضبان رغم استمرار آلام الجراح التي أصيبت بها قبل اعتقالها واستقرار رصاصة في جسدها حتى اليوم، وكان خبر نجاحها في الثانوية العامة كفيلاً بأن يخفف عني قليلاً من حزني وخوفي وقلقي عليها، وستواصل دراستها الجامعية وهي داخل الأسر، فلن يبقى حلمها معلقاً حتى تنهي سنوات حكمها".

وبينت الوالدة أنه منذ نحو شهرين لم تزر ابنتها في معتقل الدامون، بسبب إجراءات مصلحة السجون الإسرائيلية، بعد أن منعت مصلحة السجون الإسرائيلية الأهالي من زيارة الأسيرات كعقوبة لهنّ، إثر إضراب ثلاث أسيرات عن الطعام تضامنًا مع الأسرى الفلسطينيين في السجون، وبعد أن أنهت الأسيرات إجراءاتهنّ التضامنية، لم يسمح بعودة الزيارات، حيث تتذرع مصلحة السجون اليوم بتنفيذ أعمال صيانة لسجن الدامون.

الوصال في زمن الفقد بالنسبة لعائلة الأسيرة نورهان كان بمثابة كل ما يصل من ابنتهم الأسيرة عبر صديقاتها الأسيرات المحررات من سجون الاحتلال، هو كل ما تتمكن من إنجازه من قطع مطرزة وأعمال فنية ورسائل خطية، فكلما احترق قلب والدة نورهان شوقا لابنتها تذهب وتتفقد هدايا نورهان وتعيد قراءة آخر رسالة وصلتها عبر الأسيرة المحررة أمل طقاطقة دون كلل أو ملل.