مأزق الوحدة الوطنية بالطبيعة المختلفة لحماس
باسم برهوم
المأزق الراهن في انهاء الانقسام وصياغة وحدة وطنية قادرة على الصمود والاستمرار لا يكمن في اختلاف البرامج السياسية بين الفصائل الوطنية، وبالتحديد بين حركتي فتح وحماس، وانما يكمن في الطبيعة المختلفة لحركة حماس التي تعتبر جزءا وامتدادا للتنظيم الدولي لجماعة الاخوان المسلمين، فهذه الحركة ومنذ تأسيسها في نهاية عام 1987 وبداية عام 1988 رفضت الانضمام لمنظمة التحرير الفلسطينية والاندماج بالحركة الوطنية الفلسطينية ليس لاسباب سياسية، بالرغم من وجود الاختلافات السياسية ، وانما لاسباب عقائدية وايديولوجية بسبب طبيعتها غير المستقلة لارتباطها بالحركة الام جماعة الاخوان .
منذ انقلاب حركة حماس في قطاع غزة في صيف عام 2007 وحصول اخطر انقسام في التاريخ الوطني وهناك من يتعمد وضع كل من فتح وحماس في الكفة الوطنية نفسها وتعمد التعامل مع الحركتين من المنطلقات نفسها وتصوير الواقع كما وكأن الصراع بين حركتين هو فقط صراع على السلطة وهذا مناف للحقيقة تماما.
الفوارق بين فتح وحماس ليست مجرد فوارق على المواقف والبرامج السياسية او حول المقاومة المسلحة والمفاوضات، الفوارق هي اعمق من ذلك بكثير، فهي جوهرية لا بد من تكرار توضيحها للاجيال الفلسطينية، التي باتت تختلط عليها الامور، ولا تستطيع التميز نتيجة للماكنات الاعلامية التي تعمل ليل نهار على تشويه الوعي الوطني الفلسطيني المعبر عن ارادة فلسطينية وطنية حرة ومستقلة، هذا الفارق بين الحركتين هو بالضبط ما نقصده بمأزق صياغة الوحدة الوطنية على اسس متينة.
ما هي الفوارق بين فتح وحماس؟
لننظر اولا الى حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) هي حركة وطنية فلسطينية مستقلة تأسست في نهاية عقد الخمسينات من القرن العشرين واعلنت عن نفسها ثورة مسلحة عام 1965، وهو ذات تاريخ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة. تأسيس فتح، كما هو معروف، جاء ردا على نكبة عام 1948 التي ادت الى تصفية الوجود السياسي والجغرافي لفلسطين وشعبها. كما جاء تأسيس فتح ردا على الوصاية العربية ( الانظمة العربية)، وهي الوصاية التي صادرت عام 1948 القرار الوطني الفلسطيني المستقل، الامر الذي قاد الى النكبة المشار اليها وايضا كان تأسيس فتح ردا على عجز الانظمة العربية على تحرير فلسطين.
مؤسسو حركة فتح الذين استلهموا كثيرا من تجربة جبهة التحرير الجزائرية أرادوا تشكيل حركة وطنية فلسطينية خالصة مستقلة تعبر بشكل مباشر عن ارادة الشعب الفلسطيني الحرة، وان تكون هذه الحركة ومعها الشعب الفلسطيني في طليعة معركة التحرير.
وهؤلاء المؤسسون، وبهدف ان تكون حركتهم نابعة من الشعب الفلسطيني وان تملك قرارها المستقل بعيدا عن اية وصاية او تدخل خارجي، قرروا ان يؤسسوا فتح بالاعتماد على النفس وعلى امكانيات الشعب الفلسطيني الذاتية، ووضعوا لهذه الحركة هدفا واحدا بسيطا مباشرا الا وهو تحرير فلسطين، فحركة فتح بهذا المعنى هي حركة فلسطينية المنشأ وليست جزءا من حزب او تنظيم عربي او دولي، هي حركة نبعت من ارادة الشعب الفلسطيني وعبرت عن هذه الارادة بشكل حر ومستقل.
كما صاغ مؤسسو فتح فلسفة حركتهم بطريقة تجعلها تنظيما فوق الحزبية وفوق الايديولوجيا، فالهدف حشد طاقات الشعب الفلسطيني من اجل تحرير فلسطين، وبالتالي فإن اي انسان فلسطيني بغض النظر عن الدين او الفكر او العقيدة يمكنه ان يكون عضو في فتح يساهم في عملية التحرير دون ان تطلب منه فتح اي التزام اخر، من هنا جاءت فتح كحركة وطنية فلسطينة جامعة غير إقصائية، حركة فيها تعددية فكرية وثقافية، حركة تعبر عن كل اطياف وعقائد الشعب الفلسطيني، لذلك لم يكن مفاجئا ان تصبح فتح أكبر واوسع المنظمات الفلسطينية جماهرية، وان تنتزع قيادة الحركة الوطنية في اطار منظمة التحرير الفلسطينية، فهذه الحركة، اي فتح، لم تكن يوما رقما او ورقة في جيب اي نظام عربي او اقليمي او امتداد لاي جهة غير فلسطينية.
بالمقابل حركة حماس، اسمها يدل على طبيعتها العقائدية فهوية هذه الحركة هي هوية اسلامية ولا تعتبر الهوية الوطنية الخاصة، كما هو حال باقي فصائل منظمة التحرير، مسألة ذات أهمية.
وهي كما ينص ميثاقها امتداد او جزء من التنظيم الدولي لحركة الاخوان المسلمين وبالتالي تخضع لاوامر مرشد الاخوان وقرارها بهذا المعنى ليس قرارا مستقلا تماما.
ولا تخفي حماس ان عضويتها تقتصر على المسلم ولا تشمل الفلسطيني المسيحي او العلماني او اي مسلم تتعارض وجهة نظره بالاسلام مع نظرتها، فحماس نقيض الهوية الوطنية والقومية وانها مهما ادعت الاستقلالية، فهي جزء من استراتيجية لحركة المسلمين وبرامجها ومن تكتيكاتها، والتي تتعارض في احيان كثيرة مع المصالح الوطنية المباشرة للشعب الفلسطيني.
انطلاقا من هذا الدافع ومن الطبيعة المختلفة لحماس، فإنه ليس من الصواب ان يسلم الشعب الفلسطيني قراره الوطني المستقل، الذي قدم من اجله التضحيات الهائلة، الى حركة ذات امتداد خارجي بغض النظر عن كل الشعارات التي قد تطرحها حماس لذر الرماد على عيون الشعب الفلسطيني، فكيف لنا ان نسلم قضيتنا الوطنية وقرارنا الوطني وارادتنا الوطنية لجماعة الاخوان لتصبح ورقة بيد هذه الجماعة تستخدمها لتنفيذ اهدافها ومساوماتها الخاصة مع الدول الكبرى اذا ما تعلق الامر بتسليمها السلطة في اي بلد عربي او في مجموعة دول.
لقد لاحظ الشعب الفلسطيني كيف جمعت حركة الاخوان نفوذا سياسيا ومالا في سياق استخدام معاناة جماهير الشعب الفلسطيني في غزة. وكيف ان معارك حماس تخدم سياسات جماعة الاخوان واهدافها وليس مصالح الشعب الفلسطيني.
ان مأزق انهاء الانقسام وصياغة وحدة وطنية متينة قابلة للصمود والاستمرار يكمن بهذه الطبيعة لحركة حماس ذات الامتداد الخارجي غير الوطني، لذلك فان قرار انهاء الانقسام وسيطرة حماس على قطاع غزة وفصله عن الوطن هو قرار بيد جماعة الاخوان العالمية وبيد دول اقليمية وليس بيد حماس وحدها، فهذا المأزق الناجم عن ارتباط حماس بالتنظيم الدولي للجماعة سيتواصل وبالقدر الذي يرفض الشعب الفلسطيني تسليم قراره لحماس والجماعة فإن حماس لا تزال ترفض انهاء هذا الرابط مع الاخوان، وبالتالي فإن المأزق كما سبقت الاشارة مرشح للاستمرار، كما ان حركة فتح التي تعبر عن حالة وطنية فلسطينية مستقلة، يجب ان تواصل تحملها مسؤولية المشروع الوطني، وهي تلتزم وتحافظ على الثوابت الوطنية التي هي كرستها ورسمتها عبر مسيرتها وتضحياتها وتضحيات الشعب الفلسطيني وهي الثوابت المتمثلة بحق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل