عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 05 كانون الأول 2021

وسط حراب المستوطنين وجنود الاحتلال: طلبة اللبن والساوية يصنعون التاريخ

رام الله- الحياة الجديدة- نغم التميمي- يستيقظ أطفال العالم كل صباح بشكل اعتيادي، استعداداً للذهاب إلى مدارسهم  لتلقي العلم في بيئة آمنة وميسرة، بينما يستيقظ زيد وإسراء ورفاقهما في قرية اللبن الشرقية استعدادا لمعاناة يومية يواجهونها للوصول إلى مدرستهم. 
فقرية اللبن من قرى محافظة نابلس، تقع على الطريق الرابط بين نابلس ورام الله وباقي المدن، ويوجد فيها مدرسة مختلطة، ومدرسة للبنات، وهاتان المدرستان تعانيان من انتهاكات كبيرة واعتداء قطعان المستوطنين.

العودة.. جريحا أو أسيرا أو شهيدا!
يذهب زيد في كل يوم للمدرسة وهو يعلم ما سيلاقي في طريقه، ولكن لا يعلم هل ممكن أن يعود أم لا...؟.
يدور برأس زيد العديد من التساؤلات، هل سأعود اليوم جريحا أم سأعتقل أم سأموت؟ لكن تبقى الإجابة على هذه الأسئلة قيد المجهول.  
زيد ضراغمة طالب في الصف الثامن في مدرسة الساوية- اللبن الثانوية المختلطة، يقول إنه استعد في الصباح للذهاب للمدرسة وبعض رفاقه "نضحك ونقهقه لكي ننسى ما سنلاقيه في الطريق الذي يوصلنا إلى المدرسة، وسرعان ما وصلنا إلى الشارع الرئيسي، شاهدنا قطعان المستوطنين برفقة جنود اللحتلال يعملون على إغلاق الشارع وبوابة المدرسة، وقفنا ننظر إلى هذه الأعمال الهمجية، فجأة ركض نحونا جندي مدجج بالسلاح وأطلق صوبنا رصاصة مطاطية انفجرت في الأرض وتناثرت شظايا الرصاصة لتصيب عيني"، يصف زيد المشهد.
يتابع زيد رحلة علاجه التي بدأت من سيارة إسعاف إلى وصوله المشفى في حالة خوف ورعب لعدم استطاعته الرؤية في عينه، حتى تمكن الأطباء من انتزاع هذه الشظية، التي سببت جرحا في عينه ومكوثه على سرير الشفاء لعدة أيام.

جريمة التعليم!!
مدير مدرسة الساوية - اللبن الثانوية المختلطة ياسر الغازي، قال في لقاء مع "الحياة الجديدة": "يحمل الطلاب كتبهم كما بقية طلاب العالم، لكن ما يحدث في مدارس قرية اللبن هو وضع استثنائي، إذ يعتبر الاحتلال التحاق الطلاب بمدرستهم جريمة، ولذلك يحرمهم كل يوم من أن ينال كل طالب نصيبه من التعليم كما ينال أي طالب في أي مدرسة في بقاع الأرض".
وأضاف: "إن تواجد قوات الاحتلال والمستوطنين بشكل يومي على الشارع يعرض الطلاب والطالبات للخطر، هؤلاء الطلاب أطفال حسب القوانين الدولية، وهم يتعرضون للاعتداء الجسدي بالضرب بالأيدي وأعقاب البنادق أو بإطلاق الرصاص المعدني والمغلف بالمطاط، وأيضا الاعتداء  النفسي بالشتم والسب".
ويوضح الغازي بأن العديد من الطلاب أصيبوا خلال هذه الهجمات العدوانية ومنهم ما زال يرقد على سرير الشفاء، ومنهم من كانت إصابته خطيرة بالرأس، ما أدى إلى كسر في الجمجمة، عدا عن الإصابات الناجمة عن الاختناق.
وبيّن أنه في بعض الأحيان يتم اقتحام المدرسة ودخول آليات الاحتلال إليها، بالإضافة إلى تدخل المستوطنين بشكل مباشرـ ومطاردة الطلبة، وكل هذه الممارسات الهمجية لعرقلة المسيرة العملية التعليمية.
وقال غازي إن أولياء الأمور أجبروا على مرافقة أبنائهم للوصول إلى المدرسة للاطمئنان على سلامتهم، ولكن الأهالي أنفسهم لم يسلموا من الاعتداء إذ يتعرضون للضرب والملاحقة من قبل قوات الاحتلال.
ويشير الغازي إلى أثر هذه الاعتداءات والانتهاكات على الطلاب من الناحيتين الجسدية والنفسية، في ظل عدم توفر بيئة آمنة للتعلم، وتسببت هذه الاعتداءات في تشتيت تفكير الطلاب، وترقب هجمات المستوطنين واقتحام جنود الاحتلال للمدرسة في أية لحظة، مبينا أن أكثر من 250 طالبا يشكلون نصف عدد طلاب المدرسة تقريبا تغيبوا بشكل متكرر، في الآونة الأخير.

مدرسة عمرها أكبر من عمر الاحتلال!
رئيس مجلس قروي اللبن الشرقية يعقوب عويس، أوضح أن هذه المدرسة تأسست عام ١٩٤٤، أي أن عمرها أكبر من عمر الاحتلال، وتبلغ مساحتها حوالي ٣٥ دونما.
وقال: "يتعرض طلاب وطالبات مدرسة الساوية -اللبن، ومدرسة بنات اللبن الثانوية للاعتداء المستمر بهدف إغلاق هذه المدارس ومنع وصول الطلاب لتلقي التعليم"، مضيفا بأن المجلس والمدرسة وأولياء الامور يتعاونون لحماية الطلبة وتأمين وصولهم إلى مدارسهم دون أن يطاله أذى.
وأوضح أنه خلال العام الحالي تم تسجيل أكثر من ٧٠ اعتداء على الطلاب، ما أدى إلى تغيبهم عن المدرسة لأكثر من شهر، وهذا انتهاك لأبسط حقوقهم حسب المواثيق الدولية التي تؤكد حق الأطفال في الحصول على التعليم الآمن.
ولفت عويس إلى العديد من الانتهاكات التي يمارسها الاحتلال بحق الطلبة، من قبيل: إغلاق بوابة المدرسة؛ والاستهداف المباشر كما حدث خلال الأسبوع الماضي في مدرسة بنات اللبن، التي تعرضت لاعتداءات المستوطنين بحماية جيش الاحتلال، ما اضطر الأهالي للتوجه إلى المدرسة والتصدي لهم وبالتالي وقوع أكثر من ٣٠ إصابة منها في العين والرأس، عدا عن الاعتداء بالضرب بأعقاب البنادق على الطالبات، ما أدى إلى كسر بالكتف لإحدى الطالبات التي تم تحويلها إلى المشفى.

"عبرنة" المدارس..
واكد عويس محاولات المستوطنين للسيطرة على هذه المدارس، بحيث تم إطلاق أسماء عبرية عليها، فمدرسة بنات اللبن الثانوية سميت بمدرسة "بروكلين" الأمريكية، ومدرسة الساوية اللبن الثانوية المختلطة سميت بمدرسة "بني إسرائيل"، وهذه جميعها خطوات لمحاولة انتزاع هذه المدارس والسيطرة عليها.
من جانبها، أكدت مديرة مدرسة بنات اللبن الثانوية عائشة النوباني، تصاعد الهجمة الشرسة على المدارس والطلبة والهيئات التدريسية، بشكل أكبر وأعنف منه في السابق، فمنذ أن يبدأ الصباح يتجمع عدد من المستوطنين برفقة جنود الاحتلال أمام بوابة المدرسة والتعرض للطالبات بالضرب والاحتجاز والتخويف والشتم، واستهدافهن بشكل مباشر، ورمي القنابل الصوتية وقنابل الغاز المسيل للدموع داخل الصفوف والساحات المدرسية، ما يؤثر سلبا على نفسية الطالبات، وبالتالي يشتت تركيزهن.
حال الطالبة إسراء عويس كحال زيد وباقي الطلاب تستعد يوميا لرحلة صعبة في مواجهة عنيفة لتثبت حقها في التعليم، فإسراء طالبة في مدرسة بنات اللبن الثانوية.
قالت إسراء: "تقع مدرستنا على الشارع الرئيسي، ونضطر لقطع مسافة للوصول إليها وسط مخاطر جمة، أبرزها انتشار جموع المستوطنين وجنود الاحتلال على طول الطريق، ليعمدوا إلى احتجاز الطلبة والاعتداء عليهم بالضرب والاعتقال.

أطفال يصنعون التاريخ..
وتوضح أنها تعيش حالة من الخوف والتشتت خلال وصولها للمدرسة، فالجنود يطلقون قنابل الصوت والغاز داخل المدرسة بحيث تم إخلاء المدرسة خلال الاسبوع الماضي نتيجة الاعتداءات من قبل المستوطنين، فوصول الطالبات يوميا غير آمن، "نحن نعيش أنواع الانتهاكات والاعتداءات كافة، وذلك في سبيل إكمال تعليمنا، الذي بتنا نشعر أكثر بأهميته كسلاح لمواجهة المحتل". تقول إسراء. 
إسراء وزيد حالة تتكرر كل يوم وفي كل بيت وفي كل بلد، فأطفال العالم يتعلمون التاريخ على ورق، بينما يصنع أطفال فلسطين التاريخ على أرضهم في وطنهم لمقاومة المحتل.