صراع
عبد السلام العابد
كنا مستغرقين بعملنا، نضع المفارش تحت أشجار الزيتون، ويتسلق بعضنا الشجرة العالية، ومنا مَنْ هو واقف على الأرض، يجرد الأغصان الصغيرة من ثمارها، ومنا مَن يجمع الحبات المتناثرة، هنا وهناك، وفجأة... سمعنا أصوات عراكٍ شديد، يتخلله عواء كلاب شرسة وغاضبة، واستغاثات قط هارب، يحاول الحفاظ على حقه في الحياة، والنجاة من أنياب أعدائه.. غلاظ القلوب.
انطلقنا صوب ساحة المعركة، فوجدنا الكلاب النابحة، تلاحق القط الأليف الذي عمد إلى تسلق شجرة زيتون عالية، وكمن في أعلى غصن منها، وهو يرتجف من شدة الخوف والرعب، حملنا حجارة الجبل، ورمينا بها الكلاب المعتدية، فولت هاربة.
نظر القط الأليف إلينا، بعينين مليئتين بالشكر والامتنان، وبعد أنْ تأكد تماماً من ابتعاد الكلاب المعتدية مسافة طويلة، نزل عن قمة الشجرة، وأطلق رجليه وقدميه للريح، وولّى راكضا في الاتجاه المعاكس لهروب الكلاب، ناجياً بجسده من هلاك محقق، وميتة شنيعة، تحت أنياب أعدائه القتله. أما نحن، فقد أحسسنا بالسعادة تغمرنا؛ لأننا ساهمنا في إنقاذ القط المظلوم.
وتساءلنا، ونحن نتابع عملنا في قطف زيتوننا، ترى: ما سبب هذه المعركة الحامية الوطيس، بين هذا القط الوحيد، والكلاب المسعورة؟ إنه الطمع والعدوان والجشع، والرغبة في الاستئثار على الأشياء كلها. إنها لا تريد إلا تحقيق أطماعها، بالبطش والقوة الظالمة، ولكنّ هذا القط الذكي علّمها درساً بليغاً، وهو أنَ الضعيف قويَ بتمسكه بحقه، وصموده ودفاعه عنه، وحفاظه على حياته، وأن هنالك فرقا بين الشجاعة والتهور، والاندفاع والحذر، وسيأتي ذلك اليوم الذي ينتصر فيه الحق على الظلم والعدوان، مهما طال الزمان.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل