عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 11 تشرين الثاني 2021

الفاكهاني.. حنين إلى الختيار في ذكرى رحيله الـ 17

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- له في دروب النضال حكاياه الخالدة، وفي علاقاته مع الناس طيب الذكر، أبو عمار الذي شق طريق المواجهة مع الاحتلال عبر مدرسته العابرة للهويات والديانات والمناطق، التي انضوى في صفوفها عدد لا يستهان به من أحرار وطننا العربي، في يوم رحيله، تذكره الأزمنة والأمكنة كما لو أنه لم يغادرها.
هنا "الفاكهاني" في بيروت، ما زالت تضج باسم ياسر عرفات، القائد الفلسطيني الذي عاش فيها وكأنه في وطنه وبيته وبين أهله، يصعب على المرء ان يلمّ بكل ما قد يكون فعله الرجل مع  سكان هذه المنطقة الشعبية التي اختارها لسكنه ومقرات ثورته كي يبادلوه بكل هذه المحبة والوفاء ولو بعد غيابه الطويل عنهم.  
"هو الخالد في مسيرتنا الثورية والقائد بكل ما للكلمة من معنى"، هكذا بدأت أم بلال عكاوي إحدى سيدات الفاكهاني حديثها عن أبي عمار،  وهي التي حملت أول مرة الكلاشينكوف بعمر الـ١١ عاما على يديه حين قال لها: أنت ابنتنا الفدائية". 
وتضيف: "أبو عمار يتمتع بإنسانية عالية جدا، كان يتفقد الفقراء في بيوتهم ويشاركهم الطعام على موائدهم، هذا ما لا أنساه، لذا استحق حبنا فكانت البيوت كلها بيوته هنا، كنا نكسر الجدران له حين تلاحقه اسرائيل، وحين يغيب عن الحي كانت النساء تزغرد لعودته، ما زلت أذكر صدى أصوات الناس وهي تهلل لمجيئه من شرفات المنازل، أبو عمار هو الزمن الجميل الذي يعيش فينا". تختم أم بلال. 
ولم توصد أبواب الرابطة الأهلية التي تأسست عام ١٩٧٠ في طريق الجديدة أمام محبي الزعيم الراحل ياسر عرفات، في داخلها اسمه وصوره، وهي أشبه بمتحف يلخص محطات تواجده في لبنان، يستقبلك رئيس الرابطة المناضل البيروتي راجي الحكيم رفيق درب عرفات منذ العام ١٩٦٨ حتى العام ١٩٨٣، ليعيد على مسامعك ودون ملل تاريخ حقبة زمنية جمعته وأهالي الفاكهاني معه. 
عرف الحكيم، أبو عمار في معسكرات التدريب خارج لبنان وداخله حين كان يبلغ من العمر ١٥ عاما يرافقه أخواه الأكبر سنا منه، وقد سهل توافد الفدائيين إلى منطقة الطريق الجديدة عن طريق استئجار شقق لهم على أنهم طلاب يدرسون في جامعة بيروت العربية، كما ساهم  في تهيئة بيئة شعبية حاضنة لمن بات يعرف بزعيم الفدائيين "أبو عمار" في المنطقة، وأضحت الرابطة التي شكّل شبانها أحد أجهزة حمايته مقرا رئيسيا من مقراته. 
"هنا وقريبا من المخيمات رسخ عرفات بحنكته وإنسانيته العلاقات الفلسطينية اللبنانية المتينة، علمنا الأخوة والمصداقية فعرفنا فلسطين من خلاله" يقول الحكيم، ويضيف: "أبو عمار هويته العروبة، وفلسطين بالنسبة له جزء من هذه العروبة، دخل قلوب الصغار والكبار فكانوا يعرفون قدومه من الصوت الذي تبعثه أبواب سيارات موكبه فيتجمعون حوله بحيث لا يتمكن من الوصول إلى مكتبه قبل ربع ساعة بعد أن يهتم بالجميع".  
أحد المسدسات الحربية، وعصا بنية اللون يعتز بهما راجي الحكيم من ذكريات تركها له الرئيس الراحل ياسر عرفات، وإلى جانبه درع وفاء ينتظر تقديمه للرئيس محمود عباس، مختتما حديثه بالقول: "نجدد العهد والبيعة إلى حامل الأمانة الرئيس أبو مازن، كما عاهدنا القائد العام ياسر عرفات على الوفاء لفلسطين كل فلسطين وعاصمتها القدس شريف، نحن خلفك وسنبقى على العهد حتى التحرير او الشهادة حتى النصر". 
ولا تنتهي رسائل الوفاء من الفاكهاني لأبي عمار، ومنها ما خلدته اللوحات التذكارية على جدرانها حتى يومنا لأسماء شهداء سقطوا حتى بعد خروجه من الفاكهاني، يحدثنا أبو علي الصيداني صاحب المقهى التي جمعت الفدائيين في المنطقة: "أراد الاسرائيليون  تسجيل استعراض صحفي لهم من خلال الدخول إلى مكتب القائد العام ياسر عرفات في الفاكهاني بعد مغادرته لبنان فتصدى لهم شباب المنطقة، ودارت اشتباكات بين الجانبين فاستشهد الفدائيان: شقيقي محمد الصيداني، وعصام اليسير، قرب مدخل الرابطة الأهلية فكانا أول شهيدين بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، بينما قتل ٧ جنود صهاينة اعترف العدو بثلاثة منهم  بينهم ضابط برتبة كولونيل". 
تعلو الابتسامة وجه الصيداني حين يتكلم عن الرئيس عرفات ويخبرنا أنه حين كان يفتقد لبعض الفدائيين كان يجدهم هنا في المقهى، حتى أنهم كانوا أحيانا يطلبون منه (الصيداني) أن يغلق الباب حتى منتصفه كي يلعبوا ورق الشدة، لكن عبثا كان أبو عمار يفاجئهم، يقول الصيداني: "لم يرحل الختيار إلا جسدا فهو حي فينا وفي كل مكان وطأته قدمه في منطقتنا الفاكهاني التي أحبها  بقدر ما أحبته". 
وإذ رفع أبو عمار أولى البنادق في وجه الاحتلال الإسرائيلي، أقلق عدوه من الناقورة إلى جبل الشيخ، فكان الجنوب ساحة حرب لم يشهد الاحتلال تهديدا متواصلا ومماثلا لها، التف قسم كبير من الجنوبيين حوله وانضووا تحت راية تحرير فلسطين، من بينهم جمال قشمر الذي كان يبلغ ١٠ سنوات من عمره حين انتمى إلى حركة فتح، وهو اليوم عضو مجلسها الثوري، يقول لـ "الحياة الجديدة" في الذكرى السابعة عشرة لاستشهاد الرئيس ياسر عرفات "إن ياسر عرفات لا يمكن أن يكون ذكرى فهو ما زال موجودا في إرادة شعبه ولذلك نلاحظ أن الشعب الفلسطيني يردد مواقفه وكلماته في كل مكان وعلى مستوى كل الأعمار". 
ويتابع قشمر: "تجربته في لبنان هي تجربة الفدائي المخلص القائد الذي همه الأساس الصراع مع الاحتلال وتحرير فلسطين ومن أجل ذلك نسج عرفات في لبنان أفضل العلاقات مع القوى الوطنية اللبنانية، وقد توجت هذه العلاقات بين القوات المشتركة اللبنانية الفلسطينية التي قاتلت العدو الصهيوني جنبا إلى جنب. 
قشمر الذي خدم على جبهات القطاع الأوسط والشرقي وشارك في حرب تشرين عام ١٩٧٣ حين أشعل الفدائيون الجبهة من الناقورة إلى جبل الشيخ، وشارك في كل مراحل المواجهة مع العدو الصهيوني وصولا لاجتياح لبنان عام ١٩٨٢، يستذكر حرص أبو عمار أن يتواجد دائما مع المقاتلين أثناء المعارك القاسية لدرجة أنه كان يقضي معظم أيام شهر رمضان معهم، "لقد عايشت تلك اللحظات، فكان يلفت انتباهي كيف يطعم المقاتلين بيده يمينا وشمالا وكان هو آخر من يأكل بيننا" يضيف قشمر. 
جنوبيا كان يوصي أبو عمار دائما بالعلاقة مع الشعب، ويغضب من أي تجاوزات تحصل ويحرص على المحاسبة عليها، له حكاياته مع البيوت والعائلات الجنوبية التي احتضنت الفدائيين وحمتهم حتى أنها وقفت بوجه الجيش اللبناني حين حاول الاصطدام بهم . 
يختم قشمر "إن  ياسر عرفات هو قائد الفدائيين الذي لطالما ثمن تضحيات الشعب اللبناني إلى جانب الثورة الفلسطينية؛ لأن التجربة طويلة وفيها من التضحيات والعطاء ما جعل من اللبنانيين والفلسطينيين شركاء في معركة التحرير ضد العدو الصهيوني".
وإذ شكلت منطقة العرقوب الواقعة عند سفوح جبل الشيخ رأس حربة مقاومة الاحتلال،  تسابق الفدائيون إليها وكان لأهاليها موقفهم النضالي التاريخي في القتال إلى جانب أبو عمار واحتضانه والمقاتلين حتى في بيوتهم فكانت شرارة ما اسمته إسرائيل بـ "فتح لاند" على حدودها مع لبنان. 
في ذكرى استشهاد القائد أبو عمار، يقول رئيس بلدية كفرشوبا الدكتور قاسم القادري لـ "الحياة الجديدة": "تسوقني الذكرى عند الأيام الأولى لانطلاقة الثورة الفلسطينية التي شكلت منعطفا مهما في مسيرة حركة التحرر العربي عموما والقضية الفلسطينية خصوصا. إذ 
أن الهزيمة المرة في العام 1967 أسقطت الأوهام حول قدرة الجيوش العربية على تحرير فلسطين وهيأت المناخ الملائم لانطلاق قوات العاصفة بقيادة أبو عمار ومباشرة الكفاح المسلح في إطار حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد كرد على الهزيمة... وسرعان ما أشعل لهيب هذه الانطلاقة الساحات العربية التي هبت لدعم هذا النهج الذي فتح ساحات المواجهة مع العدو الصهيوني خصوصا في لبنان والأردن". 
يستذكر القادري حين دخلت أولى المجموعات المقاتلة من حركه فتح إلى بلدة كفرشوبا في العرقوب وجرت مناوشات مع قوات النظام آنذاك، سرعان ما أفضت إلى تمركزها في البلدة ومحيطها، حيث وجدت التعاطف والدعم والاحتضان. 
ووسط حالة من التفاؤل والاندفاع استيقظ أهالي كفر شوبا على نبأ سقوط المواطن 
إبراهيم سعيد قمرة (أبو عجاج) وهو ذاهب إلى حقله برصاص أحد الفدائيين المتمركزين في أرضه.. يضيف القادري: "كان للنبأ وقع الصاعقة، عاشت البلدة حالة من الذهول والصدمة وسط الاشاعات والتساؤلات والتبريرات، واستثمار الحدث لخلق فجوة بين الأهالي والفدائيين". 
ويتابع: "لم تمض فترة قصيرة حتى علمتُ أن أبا عمار سيأتي إلى البلدة، ومن الضروري أن يكون بصحبة عدد من وجهاء وشباب البلدة. وصل أبو عمار وبصحبته أبو علي إياد ولفيف من  القادة، رافقناهم إلى منزل الفقيد، سلم أبو عمار على أهالي البلدة الذين ازدحموا  في الداخل والخارج، وقدم التعازي وخطب فيهم  قائلا: "اسمعوني.. وليسمعني حملة السلاح اولاً- ورفع بندقيته متابعا- هذه الأسلحة لا تساوي شيئا دون هذه الجماهير، هؤلاء هم أسلحتنا قبل كل شيء، هؤلاء حاضنتنا ودروعنا والبحر الذي نسبح فيه.. القاتل سينال عقابه، وهذه الجريمة التي ارتكبها هذا الفدائي تفوق جرائم العدو بقتل شعبنا"، صفق الحاضرون واندفعوا لتقبيل أبو عمار الذي استطاع بحكمته وحنكته أن يصوب الاتجاه، وأن يصحح الصورة، وأن يهدئ النفوس. 
"تحية الى القائد في ذكراه، نفتقده قائداً ومناضلاً وموحداً لجميع القوى والمكونات"، بهذا ختم رئيس بلدية كفرشوبا الدكتور قاسم القادري حديثه لـ "الحياة الجديدة"، ونحن بهذا نختم "أبو عمار.. كم يفتقدك لبنان ويفتقد حكمتك في تصويب الاتجاهات وتصحيح صورة الوطن".