عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 06 كانون الأول 2015

زمن.. غادر

حنان باكير

مؤلم، أني عشت زمنا شهدت فيه، تغييرات اجتماعية، وتبادل أدوار بين طبقات المجتمع. رأيت طبقات ترتقي السلم الاجتماعي الى أعلى درجاته، وشهدت انحدار آخرين ورثوا المجد والسؤدد.

في الظروف العادية، غالبا ما تكون تلك التغييرات بطيئة وعلى مهل. وفي حالات الحروب والزلازل الاقتصادية والاجتماعية، فإنها تتم بسرعة مذهلة احيانا.. ولأني لم ألتزم بقاعدة "من راقب الناس مات هما"، فقد كان يحلو لي احيانا التوجه صوب فندق "البريستول" الفخم، في الويك إند. أركن سيارتي، واراقب السيارات الفخمة جدا، تتوقف فيسارع موظفو الفندق بكامل أناقتهم، وقد بدوا مثل لوردات انجليز. يفتحون أبواب السيارات بحركات بروتوكولية ارستقراطية. فتخرج النسوة، من السيارات، كمن يخرجن من قن دجاج.. يتهادين، بملابس السهرة. فيزوغ النظر لكثرة لمعانها وبريقها، المجوهرات تملأ ثلاثة أرباع أياديهن، يمشين الهوينا، لا عن غنج أو دلال، بل لفرط علو كعوب أحذية لم يعتدنها بعد. أما الشعور المنفوشة والمسرّحة عند الحلاق، فلا تقل بريقا عن ملابسهن.

لكن.. ما الذي دفعني الى تذكر ما كنت أقوم به في أواخر السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات، رغم أن هذه الظاهرة ما زالت مستمرة وبتنويعات مختلفة ومتنوعة! في الحيّ الذي اسكنه في منطقة رأس بيروت، كانت تسكن ايضا، عائلة صديقنا جوني البروفيسور المعروف في الجامعة الامريكية، وسليل عائلة عريقة، ووضع اجتماعي معقول جدا. رزق وزوجته بطفلين، سارت حياتهما هانئة سعيدة، وعلى مستوى رفيع، من حيث التعليم وقضاء العطل في أوروبا. لم يكن جوني وزوجته، يتعاملان مع الآخرين بخيلاء أو تكبر. يستقبلان ناطور البناية، أو عامل النظافة، بترحاب. كان يعطف على ناطور البناية، ويدعمه ماديا، وتقوم زوجته، التي هي صديقتي، بشراء الملابس والأحذية لأبنائه.

نام جوني ذات ليلة، وانسلّ من النوم المؤقت الى النوم الأبدي. هكذا وبكل هدوء، وهو بكامل ألق شبابه وعافيته. عانت زوجته مع طفليها كثيرا بعد رحيله. اذ وجدت نفسها في مواجهة حياة تزيدها ظروف الحرب صعوبة.

انقطعتُ عنها سنوات طويلة، وفي آخر مشوار لي لبيروت، قررت زيارة البناية والسؤال عنها. كانت بلكونتها مهجورة، حلّت أكداس من الغبار، مكان الطاولة الأنيقة والورود المتنوعة الألوان. معظم الشرفات، تبدلت أوضاعها.. اختفت أحواض الزهور، وحل مكانها حبال غسيل لا يدل على ذوق سليم لأصحابه!

انتظرت قليلا. بحزن فكّرت. ماذا حلّ بأم جورج؟ وجورجيت الفلسطينية الطيبة؟ ضم هذا المبنى في يوم من الأيام، الفلسطيني واللبناني.. المسيحي والمسلم والدرزي، وكانت الشرفات تتنافس في عرض أجمل الأحواض وأجمل الزهور، كم شهدت هذه الشرفات، سهراتنا وصخبنا الهادئ حتى مطلع الفجر.. فأين تبعثر الناس وكل شيء!

في ذروة ذهولي، فاجأني صوت امرأة لم أدر من أين برزت، لكن حتما خرجت من البناية. نظرت اليّ وقالت: إن لم أخطئ، فأنت فلانة! أجبتها بنعم، ولم يكن الوجه غريبا. سألتها من أنت؟ كانت زوجة الناطور. اخبرتني ان زوجة جوني، احتال عليها صاحب البناية و"قلعها" من البناية، بعد موت زوجها. وأنها، أي المتحدثة وزوجها، قد اشتريا الشقة المقابلة لشقة البروفيسور جوني. وأن زوجها لم يعد ناطورا، بل مدير أعمال صاحب الملك! أخبار السكان الذين عرفت غالبيتهم، قد تشتتوا في مناطق مختلفة، أو خارج البلد.. وصار المبنى بلون واحد.