عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 05 تشرين الأول 2021

"بوائك الأقصى".. معمار إسلامي مُتفرِّد منذ قرابة 700 عام

 القدس المحتلة – الحياة الجديدة – ديالا جويحان -"بوائك" المسجد الأقصى، أو "القناطر" كما يسميها آخرون.. تلفت نواظر زائري المسجد الأقصى المبارك لدى دخولهم المسجد، بمعمارها الإسلامي الفريد.. 8 بوائك تمتد في الطرف الشمالي لصحن قبة الصخرة المشرفة من جهاتها الشرقية والشمالية والغربية والجنوبية.. بدخولها ينتقل المصلون من قبة الصخرة إلى المسجد القبلي، وتضفي على هذا الانتقال إحساسا بعظمة المكان وانتقالا مكانيا من على الأرض.
"البوائك" التي أنشئت في العهد المملوكي عام 726هـ -1325م- عهد الملك محمد بن قلاوون الصالحي- تتنثر سحرا متفردا عند رؤيتها بعيون زائري الأقصى ومريديه، وهي شاهدة على جمال وإبداع الزخارف وعظمة المعمار الإسلامي في المسجد الاقصى المبارك.
عن ذلك يقول د. يوسف النتشة (دكتوراة في العمارة والتاريخ الإسلامي) ومدير دراسات القدس في جامعة القدس لـ"الحياة الجديدة": "هي إحدى المميزات الفريدة للإعمار في المسجد الأقصى، فقلما توجد (بوائك) في العمارة الإسلامية، خاصة كما هو شكلها وترتيبها في المسجد، وبهذا التطور الواقع بأن المسجد ينفرد بمنبر حجر كما ينفرد بعدة مظاهر معمارية أخرى، ما أكسب المسجد الاقصى المبارك وبالذات سطح قبة الصخرة أو ما يطلق عليها (تكة الصخرة)، ميزه جمالية وظيفية قلّما توجد بكثير من العمائر الاسلامية".
ويوضح النتشة قائلا: "(البائكة) لها عدة استخدامات وتعريفات، قد تكون مخزنا للغلاف أو مجموعة من العقود، لكن في المسجد الأقصى المبارك فإنها تكتسبُ بعداً جمالياً وآخر وظيفياً، ولذلك تعتبر البوائك من مميزات عمارة المسجد الاقصي المبارك، خاصة أن تاريخ مسمياتها يعود إلى عدة فترات زمنية (المقصود مسميات البائكة)، لديها عدة معانٍ تدلل عليها في تراثنا العربي، فقد أطلق المؤرخ مجير الدين الحنبلي رحمه الله (اسم القناطر)، والقنطرة بمفهومه هي البائكة، وأيضا هناك من أدبائنا العظام من أسماها (مراقي)، وأجزم أن المرحوم عارف العارف قد أطلق عليها في كتبه اسم (موازين)، وهناك من أطلق عليها (سلالم)، وكل هذه المسميات والمعاني تدل على تنوع وغنى في  فرادة عمارة المسجد الأقصى المبارك".
وحول أصول الفن المعماري لها، يوضح الدكتور النتشة: "تعود البائكة المعمارية لمجموعة من العقود التي تستند على أعمدة ودعامات في الجوانب وأعمدة في الوسط، والفرق بين العمود والدعامة،  هو في الشكل والوظيفة أي (العمود مستدير) بينما (الدعامة مربع)، والعمود، يتميز بالرشاقة وهو أسطواني، بينما الدعامة  تتميز بالتكتل، وبالأغلب مربع أو قريبة من المربع، حيث إن العقود تتنوع قد تكون العقود مستديرة ولكنها في الأغلب (مدببة)، وقد تكون العقود (مزخرفة)، وقد تكون (غُفلٌ) من الزخرفة".
وحول الأسباب التي أوجدت (البوائك) وما الهدف منها، يقول: "الواقع أن المعمار الإسلامي قد حرص على أن يقدم رؤيةً جمالية إضافة إلى الرؤية الوظيفية، فالجمال يتعلق بأنها مجموعة من العقود التي تنقل الإنسان من مستوى الجامع (المسجد القبلي) إلى مستوى سطح قبة الصخرة، وكلاهما مستويان في عمارة المسجد الأقصى المبارك، وهذه النقلة هي نقلة مكانية، أي أن تعبر من مكان الأقواس كأنه إحساس بالانتقال المكاني للمستوى إلى الأرض، إضافة إلى أن صياغتها بمجموعة من العقود تشكلت كأنها قوس نصر أو كأنها معبرٌ أضفى عليها بعدا جمالياً يجعل الإنسان يشعر كأنه يعبر من منطقة لأخرى" .
وأكد الدكتور النتشة، "الإنسان عند دخوله المسجد الأقصى يجب عليه أن يستمتع ويتفكر بما يراه، وألا يمر مرور الكرام، وأن يتفكر بالظاهرة المعمرية بحيث يتجاوز عن جمالها لينتقل للإحساس بالمكان والاتجاه والجمال".
تابع بالقول: "هذا لا يتم إلا بالحب والتفكر والتفهم.. فكيف لي أن أستمتع بشيء ولا أفهمه؟ وكيف لي أن أقدر شيئا لا أفكر به؟ وأقول أن أتفكر، لأن التفكر هو درجة أسمى وأعمق من التفكير، أي أن أبحث بقضية جديرة بالبحث، وهي ليست روتينية، فالقادم إلى "الأقصى"عليه أن يرى ليس فقط أنه أمام حجارة، إنما أمام عمل فني معماري تاريخي يؤصل لجذور الفنون المعمارية الإسلامية في المسجد المبارك" .
وعن بحثه المستقبلي فيما يتعلق بالبوائك يقول:" لقد ترك لنا زملاؤنا الذين سبقونا معلومات عن  البوائك وقد سبقوني بعدة بحوثات ودراسات علمية أساسية، ومنهم من اجتهد عن طريق بعض الكتب، لكن الجميل هنا هو طريقة معالجة حب الأمر وتفسيره ووضعه في سياقه الفني، هذا هو التحدي في المعلومات".