على عكازين
سما حسن
كنت أمر بالقرب من أحد البنوك حين لفتت انتباهي امرأة تجازوت الستين من عمرها تتكئ على عكازين وتمد احدى يديها للمارة تتسول منهم أقل عطاياهم وما بين منع وعطاء لمحت دمعة تنسل من مقلتيها، وكنت وقتها قادرة على تمييز حالتها ان كانت مدعية كما يفعل الكثير من المتسولين أم أنها تتحرك بواسطة هذين العكازين.
عرفت قصتها كاملة من جارتي التي كانت ترافقني والتي ما ان عبرت عن حزني لمنظر هذه المسنة حتى تنهدت جارتي وقالت لي إن قصتها طويلة وتعرفها بأدق تفاصيلها فقد كانتا جارتين لا يفصل بينهما إلا الجدار في المخيم.
ولدت باعاقة حركية حيث كانت بساق أطول من الأخرى، وهكذا كان مقدرا عليها أن تعيش باقي حياتها على عكازين، ولفقر عائلتها لم تلتحق بالمدرسة ولكن حين اصبحت في الرابعة عشرة من عمرها التحقت بمشغل للخياطة تابع للأونروا في مخيمها وتعلمت اصول الخياطة والتطريز وبدأت تحيك الملابس بمقابل مادي بسيط للجيران والمعارف وتلقفت عائلتها هذا المقابل ليسد ثغرة واسعة في ميزانية العائلة الفقيرة الكثيرة العدد، حتى أصبحت في سن الزواج وهنا تقدم لخطبتها والد أحد الشباب الاثرياء وهو تاجر معروف في المدينة ولكن ابنه يعاني من تخلف عقلي شديد وحلم الأب أن يتزوج ابنه وينجب أطفالا عملا بالمثل "ابن الهبيلة يساوي قبيلة"، وهكذا تمت الصفقة بمهر كبير وتكاليف زواج مغرية أسالت لعاب أشقائها حيث توفي والدها قبل أن تتزوج وتصبح في بيت كبير واسع لا تعرف دورها فيه لأن الزوج لم يكن يعرف الفرق بينها وبين أمه وشقيقته وعاشت ترفل في الثراء على أمل أن يحدث المراد ولكن الابن المتخلف عقليا خيب آمال الجميع وافسد مخططات أشقائها بأن يرث الابن القادم لشقيقتهم ثروة تضخ عليهم بعضا من فتاتها، فقد مات الزوج فجأة ومنحها والده كل مستحقاتها الشرعية وعادت لبيت عائلتها حيث استولى اخوتها على كل هذه المستحقات ومنحوها في المقابل غرفة من الصفيح تطل على الشارع مباشرة وتقاسمها العيش فيها الجرذان الضخمة والسحالي والحشرات، وهكذا مضى بها قطار العمر وهي تستجدي اللقمة من الاخوة فاضطرت للخروج إلى الشارع كمتسولة لتحصل على قوت يومها.
تقدمت منها جارتي وصافحتها وذكرتها بنفسها فلم تتعرفها ولم تعد تفرق الوجوه التي تمر بها بسبب ضعف بصرها وربما أصيبت بمرض السكر بمراحله المتقدمة فقد بدت اصابع قدميها البارزة من خف بلاستيكي متورمة بشكل لافت، ولكنها ما ان شعرت أن أحدا قد تعرفها حتى بكت كطفلة وروت آخر فصل مر من حياتها حيث قالت: كنت أقطع الطريق حين صدمتني دراجة نارية وفر راكبها وأعانني المارة حتى رفعوني عن الاسفلت وحملوني للمشفى، ليت سيارة فارهة هي التي صدمتني فربما ترجل صاحبها ومنحني تعويضا ماليا صغيرا أعتاش منه لأيام قليلة قادمة.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل