عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 13 أيلول 2021

صباح الخير أبا خالد

تغريدة الصباح- محمّد علي طه

تمتّعت في الأيّام العشرة الأولى من هذا الشّهر (أيلول 2021) بقراءة ثلاثة كتب جديدة للأديب القاصّ والرّوائيّ الفلسطينيّ الكبير أبي خالد محمود شقير ابن زهرة المدائن، الّذي يسكن في القدس وتسكن القدس فيه، وهذه الكتب هي "حليب الضّحى" و"تلك الأمكنة" و"أكثر من حُبّ".
عرفت القاصّ محمود شقير في أواسط السّبعينيات من القرن الماضي بعدما لفت نظري صديقي المرحوم الشّاعر توفيق زيّاد إلى مجموعته القصصّية الأولى (1975) "خبز الآخرين" التي صدرت عن منشورات صلاح الدين في القدس، ثمّ قرأت معظم ما كتبه خلال نصف قرن وبخاصّة مجموعاته القصصّية (عشر مجموعات) وروايتيه "مديح لنساء العائلة" و"فرس العائلة" بالإضافة إلى عدد من قصص وروايات الأطفال والفتيان.
لا مجال في مقالة قصيرة أن أكتب عن هذه الكتب الجميلة والمهمّة ولكنّي أودّ أن أشير الى أنّ كتاب "أكثر من حبّ" هو مجموعة رسائل تبادلها مع القاصّة والرّوائيّة الفلسطينيّة حزامة حبايب ويكتب في إحداها "أحيانًا يعتريني يأس خفيف من جدوى كلّ ما أفعله خصوصًا حينما أرى التّفاهة تستبدّ بكلّ شيء من حولنا، لكنّني أسارع على الفور إلى محاصرة هذا اليأس وإقصائه بعيدًا إذ يكفي وجود قلّة من النّاس الصّادقين لكي يستأنف المرء دوره من دون تردّد في الحياة".
وأمّا كتاب "تلك الأمكنة" فهو سيرة ذاتيّة غنيّة لمناضل في الحزب الشّيوعيّ الأردنيّ الفلسطينيّ في حزب الشّعب ومناضل في مقاومة الاحتلال، وهو سيرة ثريّة بسنوات العمر الّتي عاشها في القدس ورام الله وعمّان وبيروت وبراغ وفي السّجون. ولأنّ أبا خالد إنسان دمث خلوق نظيف اليدّ واللسان ومتواضع جدًّا فقد روى هذه السّيرة أحيانًا ببرقيّات متنازلًا للأسف عن مقدرته الرّوائيّة المعروفة فخسرنا تجربته في السّجن وفي رحلة الإبعاد عن الوطن وغيرهما.
كتب محمود شقير عن عشيرته وعائلته وأولاده وأحفاده وكتب عن جدّه ووالده وأمّه، وعن بيته وبلدته والأهمّ ما كتبه عن مدينته القدس المدينة المتميّزة بين مدن العالم... وبقي خجولًا مؤدّبًا في كتابته عن المرأة.
وكتابه "حليب الضّحى" يحتوي على مائتي قصّة قصيرة جدًّا وقصّتين، وهي قصص ممتعة فنّيًّا ولغويًّا وفكريًّا وتقترب من الشّعر الجميل والإشراقات الصّباحيّة ويربطها خيط حريريّ ناعم حتّى يحسب القارئ أنّه أمام رواية.
يلتقي القارئ في هذه القصص القصيرة جدًّا بقيس وليلى ونفيسة ومحمّد الكبير ومريم ووضحا وقدس وزهيّة وعليوان ومحمّد الأصغر وغيرهم من أبناء شعبنا. 
كما يلتقي بالقدس ويافا وأريحا وبالشّهداء.
يخصّص محمود شقير عددًا كبيرًا من هذه القصص القصيرة جدًّا لمدينة القدس (قلت: القدس هي كلام الّذين لا كلام لهم وهي أنين امرأة ثكلى في الظّلام. قالت: وهي نزيف قلب عذّبه الحبّ والسّهاد والغرام. وحين سألناها، أنا وليلى عن رأيها هزّت رأسها بهدوء، ولم تضف إلى كلامنا أيّ كلام).
وأظن أنّ قصّة "نقطة" وهي القصّة الأخيرة في المجموعة صورة مترامية الأبعاد وبانوراما للمجموعة كلّها.
يكتب أبو خالد:
وقفت النّقطةُ عند آخر السّطر.
تأملّت الهوّة الّتي تفصلها عن السّطر الأخير وقالت:
كم هو فسيح هذا العالم.
وأمّا أنا فأكتب:
صباح الخير أبا خالد
صباح الخير محمود
صباح جميل لك وللقدس
التي تنتظر الصّباح.