هذا الرجل طويل القامة
إلى أحمد يعقوب

يوسف القدرة*
إنه أحمد يعقوب، تعرفه شوارع غزّة جيدا، ويعرفه شبابها وصباياها الممسوسين بالشعر والفن، هذا الرجل طويل القامة، المحمّل بثقافة البلدان واللغات التي عايشها وعاشها، وجد نفسه في مدينة مراهقة تحاول أن تكون مدينة، فكان المحرّض، على الجنون والقلق والأسئلة، في مدينة كل شيء فيها مُجاب عنه سلفا، ما بين شارع عمر المختار إلى بيته في أبراج المقوسى، الكثير من النقاشات المبكرة المفتوحة مع شباب وشابات يحلمون بتغيير العالم بالفن والشعر والموسيقى، وكان منحازا إلى تجربة الشعر العراقي، فيتحدث مطولا عن شعرائها المجانين ومجانينها الشعراء، وعن المفارقات ما بين الحياة بجوعها وبؤسها وقسوتها، وما بين الشعر والفلسفة والموسيقى بأجنحتهم البيضاء المرفرفة في السماء، وكانت أناه تكبر حتى تشعر أنك ستصطدم معه، ثم يعود طفلا طيبا يرى الحياة لعب ولهو، وما بين الغاضب فيه والطفل، حياة من التجريب والثورة والأصداء، لكل مرحلة فيه صدى، وصدى طفولته أعلى حين يحلم بسوريا، وصدى شبابه كوبا، وصدى الشعر والصعلكة العراق.
حاول أن يقدم غزة كما يراها، من خلال شعراءها الشباب وشاعراتها، فكتب عنهم وقدم نصوصهم، وشارك في ترجمة بعض النصوص للإسبانية، في نهاية عام ٢٠٠٥، جمعتني معه التجربة في سفر إلى إسبانيا، كانت تجربتي الأولى خارج الوطن، كانت رفقته طيبة، احتمل طيشي وجنوني، وحين أضعت جاكيتي في ليلة باردة في نايت كلوب، خلع عنه جاكته وأعطاني إياه ألبسه، كلما كانت هناك فرصة قدمنا بلغته الاسبانية الطليقة للمستضيفين، كان حريصا على أن نتحدث ويقوم هو بترجمة ما نقول، شاركنا في عدة أمسيات في قرطبة وغرناطة وإشبيلية، وفي كل المدن كانت بهجته حاضرة، لمست فرقا بين الإنسان ونفسه، المدن الواسعة تبهج وتظهر ما يمكن أن تحجبه المدن المحاصرة، روحه حرة كانت، ما كان نظريا، صرت أراه سلوكا وحقيقة، إنه الطفل فيه واجدا نفسه في أحلامه.
كان شغوفا بمتابعة ما يستجد في مشاريع الشباب الشعرية، في عام ٢٠١١، قبل مغادرتي غزة، كنت قد قدمت سلسلة أمسيات شعرية في جالري الاتحاد، كان مرحبا ومتعاونا حين اقترحت عليه الفكرة، وكانت أمسية مليئة بنصوص تجربته المتنوعة والممتدة منذ الثمانينيات، دسمة كروحه ومختلفة كاختلافه، ثم انقطعتُ، فكان يسأل عني بين الوقت والآخر.
في القاهرة، كلما جاءها، التقينا، فعشنا أياما في مقاهيها وعشنا سهراتها، بكل الفرح والقلق والغضب، بكل ما تركه خذلان البلاد وانكسارات الحلم، وضياع البوصلة، كان يحاول أن يفتح أبواب الأمل، وكنت أشتم المتسلقين والفاسدين، كنت أهدأ فيغضب وتثور ثورته على كل شيء، حتى على نفسه، ثم يبدأ في الحديث عن الموسيقى فيعود طفلا حالما، وكانت دهشتي بأطفاله الذي جعلوني أنتبه أن عمرا قد مضى، فأدونيس بِكْره، صار طولي وحجمي، فأنظر إلى أحمد، وأقول كبرت، فيقول لا زلت شابا، وهؤلاء أصدقائي.. أصدقاءك أذكياء، وجميلون، وأقمار، كان اجتماعنا معا لمدة أسبوع أو أسبوعين كل فترة، يمنحني إحساس العائلة، حتى آخر زيارة في يناير الماضي قبل مغادرتي القاهرة إلى اسطنبول، كان لقاءنا سريعا وهادئا وقليل الكلام، كنت محاصرا بفكرة السفر، ومحاصرا بإنهاء المعاملات ومحاصرا بالقلق والوقت. هذا الوقت الذي لا يمهل أحدنا لفرصة أخرى، قلت لي سنبقى على تواصل، وها أنت تغادر.
*شاعر فلسطيني يعيش في تركيا
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت