عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 04 أيلول 2021

تهمة "بديش أقلق منك"

د. رمزي عودة

يعرف الاعتقال الإداري بأنه حبس شخص دون محاكمة بدعوى أنّه ربما ينوي مخالفة القانون مستقبَلاً، ولكنه لم ينفّذ بعد أيّة مخالفة. وتستخدم دولة الاحتلال إسرائيل هذه الوسيلة بشكل جارف وروتينيّ، بحيث اعتقلت على مرّ السنين آلاف الفلسطينيين لفترات طويلة نسبياً. وفي العادة تحكم المحاكم العسكرية الإسرائيلية على الموقوفين الفلسطينيين إداريا لمدة ما بين 4 إلى 6 شهور تبعاً لملف سري حسب الادعاء العام العسكري. وغالباً ما يتم تمديد الاعتقال الإداري مرارًا وتكرارًا وحبس فلسطينيّين طيلة سنين دون أن يُدانوا بارتكاب أيّة مخالفة. ووفقاً لتقارير مؤسسة بتسيلم الإسرائيلية، فإنه منذ بداية العام 2015 وحتى نهاية تمّوز 2017 صدر 3,909 أوامر اعتقال إداري، من بينها 2,441 (62.4%) أوامر تمديد اعتقال. ومن بين أوامر الاعتقال الـ 3,909 فقط 48 أمرًا (1.2%) تمّ إلغاؤها على يد المحكمة العسكرية والبقيّة صادقت عليها هذه المحكمة. وتفيد تقارير نادي الأسير الفلسطيني بأن إسرائيل تعتقل في سجونها في الوقت الحاضر نحو 4850 أسيرا، بينهم 41 أسيرة، و225 طفلا، و540 معتقلاً إدارياً.

ويرتقي الاعتقال الإداري لمنزلة جرائم الحرب في القانون الدولي، حيث يتم الاعتقال وفقاً للشكوك بنية الفعل وليس بالفعل نفسه، ومن المعروف أن روح ونص القانون لا يعترف إلا بوقوع الجرم وليس بالنية بفعله. آخذين بعين الاعتبار أن القانون الدولي سمح لمواطني الدول المحتلة ومنها فلسطين بمقاومة الاحتلال بهدف وقف العدوان والتمتع بحق تقرير المصير للشعوب المحتلة. وبالضرورة، فنحن نتحدث في سياق ضرورة معاملة جميع المعتقلين الفلسطينيين معاملة أسرى الحرب وفقا لاتفاقيات جنيف، ولا يجوز التعامل معهم كمخربين أو إرهابيين كما يتم التعامل معهم حالياً وفقا لقانون دولة الاحتلال. ومع هذا، فإن إسرائيل لا تكتفي بخرق قواعد القانون الدولي في حالة الحرب بالنسبة للأسرى الفلسطينيين، ولكنها أيضاً تمعن في انتهاكاتها لحقوق الأسرى الفلسطينيين من خلال سياسة الاعتقال الإداري، والتي تصاعدت بشكل ملفت في السنوات الأخيرة.

أخبرني أحد الاسرى الإداريين الذي أعتقل مؤخراً بأن ضابط المخابرات الإسرائيلي استدعاه أكثر من مرة قبل اعتقاله للمرة الرابعة إدارياً، مهدداً إياه بالاعتقال لفترة طويلة وليس سنتين كالعادة، فما كان من هذا المعتقل إلا أن ضحك ساخراً مخبراً الضابط بأنه لو كان يمتلك أية معلومة لإدانته لتم اعتقاله على الفور كملف قضية وليس كملف إداري. وعندما تم اعتقال هذا الشخص لم يتم التحقيق معه، وإنما تم الحكم عليه إدارياً 4 شهور، يُتوقع أن تجدد كما المرات السابقة حتى تصل إلى عامين. وعادةً ما يتكون الملف السري الذي تتمسك به المخابرات الإسرائيلية وتعرضه على المحكمة العسكرية، من مؤشرات تشير إلى أن المعتقل يمكن أن يقوم بعمل "عدائي" ضد إسرائيل. وتشتمل هذه المؤشرات، التي لا ترتقي إلى مستوى الأدلة، على عناصر ظنية ونفسية بالأساس؛ مثل انتماء المعتقل المحتمل لتنظيم سياسي، سخط المعتقل على الاحتلال، توفر عناصر الشخصية الراديكالية المتطرفة في شخصية المعتقل، وجود شهيد في أسرة المعتقل، مشاركة المتهم لتجمعات مناهضة مثل تشييع جنازة شهيد أو ندوة ضد الاحتلال...إلى آخره من المؤشرات العامة والتي يصورها ضابط المخابرات أنها مقلقة لأمن إسرائيل. وفي إحدى المرات التي تم اعتقال أحد المواطنين الفلسطينيين إدارياً، أخبره الضابط الإسرائيلي أثناء الاعتقال بأنه يدرك أنه لم يفعل شيئا ولكنه "ما بدو يقلق منه". وهذه التهمة؛ "تهمة بديش أقلق منك" ربما تستمر عقوبتها سنتين وحتى 10 سنوات، وفي الغالب فإن الضحية هي الفلسطيني المعتقل إداريا هو وعائلته التي تنتظر بحرقة انتهاء فترة الحكم الأولى إلى أن يتم تمديدها فترة أخرى وهكذا.

أعتقد أن علينا كفلسطينين أن نتبنى حملة وطنية ودولية لإنهاء الاعتقال الإداري في المعتقلات الإسرائيلية، وأن نرفع القضايا في المحاكم الدولية لوقف هذا الاعتقال وتعويض المتضررين منه. كما على المعتقلين الإداريين أن يشرعوا بإضراب شامل أو جزئي عن الطعام للضغط على حكومة الاحتلال للإفراج عنهم كما حدث لدى العديد من الأسرى وآخرهم الغضنفر أبو عطوان الذي أُفرج عنه بعد صمود أسطوري عن الامتناع عن الطعام لمدة 65 يوماً. وبالنتيجة، يجب أن نطالب المجتمع الدولي بفرض عقوبات على إسرائيل لاستمرار سياساتها المتعلقة بالاعتقال الإداري. كما على الجماهير الفلسطينية أن تساند المعتقلين الإداريين في إضراباتهم بهدف خلق حراك محلي ودولي ضد سياسة الاعتقال الإداري في السجون الإسرائيلية. وفي النهاية، وبرغم مرارة الاعتقال الإداري، فلن ينتصر السجان على إرادة المعتقلين، وكانت وستظل إرادة الأسرى قوية وأسطورية، وستعلو حتماً إلى العلياء والمجد والحرية.