محمود حسين نصر الله ابو حنفي
عيسى عبد الحفيظ
كلما تمكن من الحصول على كوب من القهوة ينادي: "تعال ركز يا مناضل, تعال ركز يا رفيق, تعال ركز يا أخ". ذلك هو محمود ابو حنفي السجين في أوقات الشدة عندما كان الحصول على فنجان من القهوة ضربا من الكماليات.
المشاركة في كل شيء, ذلك ما كان يميز المناضل محمود ابو حنفي, المشاركة تعبير عن الكرم, عن الحب, فما الذي يمكن للسجناء ان يتشاركوه سوى القليل وكان فنجان القهوة في مقدمتها.
تميز ابو حنفي بصفة نادرة اخرى هي طول قامته وطول قدمه. دخل الى جامع الحسين للصلاة, وترك حذاءه على المدخل اسوة بالآخرين, لكنه لم يجده عندما خرج من الصلاة.
حاول استعارة شيء من الجامع فلم يجد حذاء او خفا يناسب قدميه, فمن اين له ان يجد في الجامع حذاء بمقاس 56؟!
اضطر ابو حنفي للسير حافيا باحثا عن حذاء يشتريه, لكن انّ له ان يجد في كل المعارض حذاء على مقاسه؟ بعد عناء وتعب وبحق, ذهب الى سوق الرابش في سقف السيل.
لم يتمتع ابو حنفي بثقافة عالية ولا حتى بتعليم ذي مستوى. فقد ولد في عائلة كثيرة الاولاد لأب قليل الدخل, كان يرى الغنى الحقيقي في كثرة الانجاب.
كانت بيت فوريك قريته قاعدة مهمة للثوار في السنوات الاولى التي تلت هزيمة حزيران. لجأ اليها عدد كبير من قادة الثورة منهم ياسر عرفات و"ممدوح صيدم وابو علي مصطفى والعشرات من شباب الدوريات, ووقعت فيها معارك شرسة, لذا ليس غريبا ان يتخرج من القرية عدد كبير من المقاتلين وكان ابو حنفي من بينهم واخواه حامد وخميس نصر الله.
عاد ابو حنفي الى فلسطين ضمن مجموعة قتالية بقيادة الملقب بالكنت, وما لبثت ان اشتبكت مع قوات العدو في معركة كبيرة قرب النهر, وكانت النتيجة استشهاد افراد المجموعة باستثناء ثلاثة كان ابو حنفي من بينهم حيث سقط جريحا اثر اصابته اصابة خطيرة في عنقه واخترقت رصاصة اخرى يده وتركتها مشوهة وعاجزة عن الحركة. وأخيرا وقع مع رفيق قادم من العراق اسيرا.
تنقل ابو حنفي في عدة سجون الى أن التقى مع اخويه في عسقلان والسبع. هكذا اجتمع في السجن ثلاثة اخوة امتلكوا ذات الصفات, طول القامة, نحول الجسد, بياض البشرة, العيون الزرقاء, ومخزونا هائلا من الطيبة وحب المشاركة والتعاطف.
تم اطلاق سراح الثلاثة في صفقة التبادل عام 1985, وغادروا الوطن وتزوجوا ورزقوا بالأولاد والبنات الكثر, وطبقوا مقولة والدهم بان الغنى في العيال وليس في المال.
فعاشوا حياتهم الاعتيادية مع كثير من الاولاد وقليل من المال.
على اثر اتفاقية اوسلو, عاد ابو حنفي الى الوطن وعمل بكل جد على تثبيت نفسه واولاده في بيت فوريك, فنحت في الصخر وشكل قطعة ارض انشأ عليها بيتا صغيرا لكنه كان كافيا له ولزوجته ولأولاده وبناته.
مسيرة ابو حنفي تماما كمسيرة اخويه, فقد ولدوا جميعا في ذات البيت, وساروا على نفس الدرب, وعندما جاءت المنية ماتوا ثلاثتهم بالمرض نفسه السرطان.
على قبره وقف عدد كبير من المناضلين الذين أبّنوه بما يستحق من كلمات, وكانت وفاته بداية عهد بين الأسرى المحررين اذ تعاهدوا على قبره ان يآزروا بعضهم بعضا وعلى ذات القبر وفي هذه المناسبة انشئت جمعية الأسرى المحررين لتوحيدهم جميعا في جسم واحد, ولضمان حقوق الأسرى الذين اطلق سراحهم وما زالت بعض قضاياهم معلقة.
لحق حامد وخميس بأخيهما فقد توفيا في عمان دون ان يتمكنا من العودة إلى بيت فوريك ودون ان يدفنا في مسقط الرأس.
رحم الله شهداءنا وأسكنهم فسيح جنانه.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل