الأزمة اللبنانية تثقل على مخيم شاتيلا
هوية عصرنا ما زالت على حالها

بيروت- الحياة الجديدة- هلا سلامة- على مسافة واحدة من المناطق اللبنانية كافة، المخيمات الفلسطينية تئن تحت وطأة أزمات لبنان الخانقة التي تفاقم فقرها وحرمانها.. شاتيلا التي اعتادت أن تعتصر آلامها ليست إلا بقعة جغرافية في قلب العاصمة بيروت، ولو غض المعنيون في لبنان والعالم أنظارهم زمناً طويلاً، فالبؤس لا بد أن يفيض منسوبه ويضع الجميع أمام مسؤولياته في إدارة كارثة وشيكة.. ولعل شاتيلا اليوم برسم كل من تبنى لجوء الشعب الفلسطين منذ 72 عاما بالمؤامرات والاتفاقيات وتخلى حتى عن إغاثته وكل من يهتف ليلا ونهارا لحرية فلسطين ويرتضي الدوس على صمود أهلها في شتاتهم المرير.
جبل نفايات يطالعك على مدخل مخيم شاتيلا، لم يعد يقلق سكانه الذين اعتادوه منذ عقود، فحكايا المخيم بدت كأنها تتقلب مع مستجدات البلاد التي بدلت اهتماماتهم، وآخرها تأمين شربة ماء نظيفة و"لمبة" تضيء منازلهم المتواضعة، هو حديثهم الذي يدخل إلى مسامعك وأنت تتجول في أزقة المخيم المهمل والمتروك لقدره.
مرة أخرى يلملم أهالي شاتيلا أوجاعهم بعزة وصمت خلف أبواب منازلهم التي لو طرقتها لسمعت الكثير الكثير مما فاقمته الأزمة اللبنانية على وضعهم المتردي أصلا.
تركت أم هاني ابنة بلدة جاحولا في قضاء صفد محل الخضار الصغير الذي عملت فيه على مدى عشرة أعوام وسط المخيم، تقول: "ارتفعت أثمان الخضار والفواكه كثيراً بحيث لم أعد قادرة على تسديدها ولا اهل المخيم قادرون على شرائها".
وتضيف أم هاني التي تعيش مع ابنها العاطل عن العمل كغيره من شباب المخيم: "حال المخيم تغير كثيرا من جراء الأزمة، لقد كان بمثابة البيت الواحد الذي كنا نتقاسم فيه صحن الطعام، أما اليوم، فالأزمة فرقت الناس عنوة وبات كل واحد يفكر بتأمين منزله وعائلته".
وتأخذها الأزمة إلى أيام الحروب وحصار بيروت في العام 1982 فتعلّق: "لم نشهد حتى في أيام الحصار ما نشهده اليوم".
وإذا كان شح المياه ينذر بكارثة تلوث بيئي في لبنان كانت قد حذرت منه مؤسسات دولية عديدة في الآونة الأخيرة ومن بينها اليونيسف، فإن المخيم يدق ناقوس الخطر على كل قاطنيه بسبب التلوث وصعوبة تأمين المياه النظيفة؛ لأسباب عديدة من بينها صعوبة دفع تكلفتها.
محمد أيوب الذي يعتني في إمداد المخيم بكهرباء المولدات والمياه تحدث عن تخلي جزء لا يستهان به من السكان عن الاشتراك بخدمة المولدات لعجزهم عن دفع المبالغ المتوجبة، كما نبّه أيوب عبر "الحياة الجديدة" من أمراض خطيرة قد تصيب سكان المخيم كاشفاً عن أن مياه الشرب في المخيم ملوثة وغير قابلة للاستعمال حتى في خدمة المنازل وهذا ما ظهر عبر نتائج العينات التي تم فحصها في المختبرات المختصة".
وأضاف إن هذه المياه مياه آبار في الأصل إنما غير خاضعة للتكرير الصحيح والمراقب عبر الليزر، ومع ذلك، الناس يشربون منها بسبب عدم توفر البديل؛ ولأنهم غير قادرين على شراء المياه من شركات المياه الموثوقة.
وللاستيضاح أكثر التقت "الحياة الجديدة"، أمين سر فصائل منطمة التحرير الفلسطينية، وأمين سر حركة فتح في مخيم شاتيلا كاظم حسن الذي بيّن لنا واقع تغذية المخيم بالماء والكهرباء.
عن مياه الخدمة، أوضح كاظم أن 15% من سكان المخيم يستفيدون من مياه أربع آبار تديرها لجنة التحالف مقابل اشتراكات يدفعونها لها، فيما يتغذى الباقي أي 85% من الأهالي من بئرين خاصتين يعودان للسيدين بدران وسكر مقابل اشتراكات تتراوح بين ا60 -80 ألف ليرة شهرياً.
كاظم كشف عن أن نسبة المواد المعدنية في تلك المياه تصل ما بين 15 و18 الفا، بينما يجب أن لا تتعدى النسبة 600، وهي مواد تحتوي على نسبة عالية من الأمونيا، وبالتالي هي ضارة وتتسبب بأمراض كثيرة وبرطوبة عالية في المنازل وصدأ الاثاث من جراء استخدامها.
ولفت إلى أن نقص الوقود في لبنان أدى إلى استحالة سحب المياه من الآبار بسهولة، ما اضطر الأهالي لشراء المياه بأكلاف عالية والرضوخ لابتزاز التجار، وهذا بالطبع رتب عبئا اضافيا على الأسرة التي تعاني مشاكل عديدة على رأسها البطالة والغلاء الفاحش في الأسواق.
وفيما يتعلق بمياه الشرب أضاف كاظم: "حصة المخيم من المياه الصالحة للشرب مقطوعة بشكل نهائي منذ أكثر من عشر سنوات بعد تحويلها إلى مناطق مجاورة، مما يضطر الناس لشرائها بالغالونات التي توزع دون أي رقابة على نوعيتها أو سعرها ويتراوح سعر الغالون (سعة 20 ليترا) بين 8 آلاف الى 12 ألف ليرة.
وبخصوص الكهرباء أشار كاظم إلى وجود 5 محولات لكهرباء الدولة بقدرة إجمالية تغذي 40 ألف أمبير علماً ان حاجة المخيم لا تقل عن 60 ألف أمبير، ما يؤدي وبفعل الضغط الكبير إلى تآكل في مراكز القطع وكابلات التوصيل.
أهل المخيم يسددون بانتظام الاشتراكات لمؤسسة كهرباء لبنان التي لا تؤمن الخدمة اليوم لأكثر من ساعتين في المخيم، ما يضطرهم كغيرهم من سكان لبنان للجوء إلى الاشتراك في المولدات الكهربائية.
وتتفاوت الاشتراكات بين أصحاب المولدات، فهناك من يتقاضى 300 ألف ليرة على الـ 2.5 أمبير مقابل 8 ساعات تغذية في اليوم الواحد وآخر يتقاضى 450 ألفا مقابل تغذية 12 ساعة في اليوم.
أمين سر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وأمين سر حركة فتح في شاتيلا كاظم حسن الذي اعتبر أن ما يقل عن مساحة نصف كيلو متر يسكنها 25 ألف نسمة، لا تدخل بيوتهم الشمس ولا الهواء ولا المياه، هو موطن رحب للجراثيم والعدوى، ختم قائلاً: "إن لبنان يعيش أزمة قد لا تنتهي، والمخيم جزء لا يتجزأ من الواقع بل وزيادة عليه من التمييز ونقص فرص العمل وشح في الخدمات وتهرب من المسؤوليات لظروف قد تكون مرتبطة بالملكوت الأعلى، من هنا لا بد من صرخة مدوية، يجب إنقاذ المخيم لأن الفقر يخلف الكثير وقد نصل لمرحلة لا نقدر فيها أن نوقف الحال".
من جهتها، اوضحت عضو لجنة العمل الاجتماعي لحركة فتح في الشعبة الرئيسية مرفت جمال صابر أنه ومن خلال زياراتهم الميدانية للأسر تبين أن هناك حالات كثيرة ذات عوز شديد وبحاجة إلى مساعدات دورية، وأن هناك سوء توزيع للحالات الاجتماعية التى تقدم لها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" كل ثلاثة أشهر، وهذا يتطلب إعادة النظر به وفق معايير اجتماعية شفافة، هذا إضافة إلى سوء المسكن وحالات المرض التي لا تغطيها الأونروا وتتابعها اللجنة عن طريق الضمان الصحي وأصحاب الأيادي البيضاء، ورغم أن هناك جمعيات عديدة إلا أن بعضها لا يقدم الا الجزء اليسير مما يصلها وفي بعض الأحيان بعيدا عن معايير الشفافية.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الـ78 للنكبة.. رام الله تتمسك بحق العودة وترفض مخططات الاقتلاع والتهجير
استمرار مأساة 25 ألف نازح في طولكرم
لاجئون في أريحا يتمسكون بحق العودة ويروون حكايات التهجير
أنياب المصادرة تصل حي الجابريات بجنين
طوباس تُودع عاشق يافا وبيسان..
أحفاد النكبة الذين كبروا في ضيقها حتى اختنقوا
شهادات من تحت الركام تكشف حرباً تلتهم الحياة وتعيد تشكيل المجتمع من جذوره