ليلة اعتقال غسان
د.رمزي عودة
قبل خمسة شهور تم الإفراج عن الأسير غسان زواهرة بعد اعتقال إداري دام لأكثر من سنتين ونصف السنة، وكان قبلها بثلاث مرات مر بتجربة الاعتقال الإداري، وفي كل مرة يتم اعتقاله ما بين سنتين وسنة ونصف السنة. وبعد أن تم الإفراج عنه في المرة الأخيرة، حيث قضى غسان أكثر من 14 عاما في المعتقل بشكل متقطع، افتتح غسان مطعماً صغيراً له، يعتاش منه هو وعائلته المكونة من زوجته وأربعة اطفال بينهم طفلتان تعانيان من مرض القلب. الا أن انشغاله في مطعمه طوال اليوم لم يثنِ أجهزة الأمن الاسرائيلية عن ملاحقته، فقد تم اعتقاله والتحقيق معه مرتين، وفي كل مرة يتم تهديده بأنه سيتم تصفيته إذا ما استمر في "نشاطه التخريبي" على حد قول رجال الشاباك الاسرائيلي، الا أنهم حتى الآن لم يخبروا غسان ما هو هذا النشاط التخريبي الذي يزعمون!
ليلة الخميس الماضية، اقتحمت قوات إسرائليية مخيم الدهيشة، قدرت بنحو 50 جنديا مجهزين بكافة الأسلحة والعتاد، فجر اثنان منهم باب منزل غسان، وسرعان ما اقتحم المنزل نحو 12 جنديا مفزعين الأطفال والنساء، أما الجنود الباقون، فقد انتشروا حول المنزل وفي شوارع المخيم خوفا من هروب غسان، ومنعا لشباب المخيم من التجمهر حولهم لمنع الاعتقال. وبالفعل، داهموا المنزل، وفتشوه، وعبثوا بكافة محتوياته، وهددوا زوجته بضرورة تسليم أوراق وهاتف غسان الا أنها رفضت، وبعد قليل، قدم الضابط المسؤول الى المنزل، مد يده للتسليم على غسان الا أنه رفض، مما أغاظ الضابط كثيرا قائلا له "إنت لحد الآن ما بتسلم"، ومن ثم سحب غسان الى غرفة من غرف المنزل ليقوم باستجوابه لأكثر من عشرين دقيقة. ثم خرج الاثنان، وطلب الضابط من غسان أن يقوم بتوديع أسرته لأن اعتقاله هذه المرة سيكون طويلا.
خرج غسان مكبل اليدين مع عدد كبير من الجنود، توقف غسان فجأة عندما سمع بكاء أمه، رفض التوجه الى العربة العسكرية قبل أن يودعها ويهدئ من روعها. انصاع الجنود لرغبة غسان، موافقين أن يتحدث الى أمه ولكن دون الاقتراب منها. تحدث إليها غسان بهدوء الثوار بعبارات ما زالت تحفر في قلبي... "يما مالك؟.. انا كويس... شكلي المرة هاي مطول! ديري بالك على حالك وعلى ابويا...
اعتقل غسان، الا أن الجنود عادوا بعد 5 دقاق ليمزقوا الصور التي كانت تزين جدران منزله.. كانت هذه الصور للشهيد معتز زواهرة الاخ المقرب لغسان، بدأوا يمزقون الصور صارخين باستهزاء "هذا فدائي... هذا شهيد". صرخت أم غسان بحسرة؛ وهي ترى الجنود يمزقون صور ابنها الشهيد، هجم ابن غسان الأكبر إبراهيم ذو التاسعة على الجنود الذين دفعوا أمه وجدته، فدفعوه أرضاً. وأخيراً، خرج الجنود، وانتهت ليلة اعتقال غسان.. كانت ليلة حزينة.
غسان بقصته هذه، يمثل قصة كل شاب في المخيم، حيث يعاني الشباب من الاعتقال والقتل والتعسف من قبل قوات الاحتلال المجرمة. تقتحم المخيم هذه القوات كل ليلة تقريبا. وتنشر الرصاص وقنابل الغاز بين أزقة المخيم. هذا المخيم الذي قدم أكثر من 70 شهيداً ومئات الأسرى والجرحى. غسان يمثل- بحق- أيقونة النضال ضد الاحتلال. وصمود الفلسطيني في وجه الإرهاب الصهيوني. غسان يمثل فينا إرداة الحرية والإصرار على التحرير. وليعلم الاحتلال بأنه لو تم اعتقال غسان عشرات المرات، سيخرج من هذا المخيم ألف غسان وأكثر.