عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 تشرين الثاني 2015

في المشهد السوري .. داعش ضد داعش

باسم برهوم

كشفت حادثة اسقاط الطائرة الحربية الروسية التي أسقطت في شمال سوريا من قبل تركيا، العضو في حلف الأطلسي، حقيقة  هذا الحشد من الدول الكبرى والدول الاقليمية التي تدور في فلكها، والتي جاءت إلى سورية بحجة محاربة داعش. جميع من جاء لمحاربة هذا التنظيم الارهابي، الأكثر وحشية ودموية، هم اليوم في مواجهة عسكرية علنية فيما بينهم، مواجهة تهدد فعلاً الأمن والسلم الدوليين، فالحرب الدائرة في سوريا، في واقع الأمر هي ليست بين هؤلاء وداعش وانما هي بين بعضهم البعض، فاليوم نقف أمام حرب لا تحدد مستقبل سوريا أو كيف ستقاسم هذه الدول النفوذ فيها فحسب، وإنما هي ايضا حرب ستقرر شكل النظام الدولي الجديد ومن سيسيطر على قيادته، ومن سيكون مؤثراً في قرار هذا النظام.

وبما أن عنوان الحرب وأهدافها هو الهيمنة وتقاسم مناطق النفوذ، وتأكيد مدى حجم مصالح الأطراف، فبهذا المعنى هي حرب داعش ضد داعش، فجميع الأطراف لا تملك أي سند أو مبرر قانونيأ وأخلاقي لتدخلها في سوريا سوى انهم يحاربون تنظيم داعش الارهابي، الذي هم جميعا مسؤولون عن ظهوره ونموه بمستويات مختلفة ومسؤوليات متفاوتة.

أي مراقب عادي كان يمكنه التنبؤ بأن تسلسل الأحداث على الساحة السورية سيقود حقاً إلى مثل ضد هذه المواجهة المباشرة بين الدول الكبرى، فنحن أمام مصالح في الوزن الثقيل، وإن أي تهديد حقيقي لمصالح أي دولة من هذه الدول الكبرى سيقود حتماً إلى مواجهة عسكرية.

فالأطراف قبل أسابيع كانت تخوض صراعاتها من خلال حروب بالنيابة عبر أطراف محلية أو عبر منظمات ارهابية احتشدت على الأرض السورية بتواطؤ كامل من هذه الدول ومن خلال تهيئة كل فرص التمويل والتسليح لها.

المشكلة في أن هذا المشهد الداعشي الذي تتورط فيه جميع الأطراف سيطول، وان طاحونة القتل والدمار ستستمر في قتل البشر والحجر، فالصراع في سوريا ليس من النوع الذي بمقدور أي طرف حسمه بالطريقة القاضية لصالحه، فهذا الصراع الذي أخذ يمتد ارهاباً وقتلاً خارج سورية والمنطقة إلى العالم، هوصراع معقد صعب، وكل طرف يخوضه بحسابات دقيقة، ويحاول أن يجمع ما يمكنه من أوراق اللعبة من يكون مؤثراً في رسم شكل النظام الدولي الجديد.

ومما يزيد الصراع تعقيداً هو تآكل النظام الدولي الراهن، الذي ظهر مع انهيار الاتحاد السوفييتي، حتى انتهاء الحرب الباردة  في تسعينيات القرن العشرين والذي تربعت على قيادته الولايات المتحدة الأميركية دون منازع على امتداد عقدين من الزمن، فواشنطن لم تعد قادرة على لعب دور الشرطي ولم تعد صاحبة القرار الدولي منفردة وهو ما لاحظناه في مفاوضات الملف النووي الايراني وملف الأزمة السورية فهناك شركاء على طاولة النزاعات فهي لم تعد تنفرد بأي قرار أو أن تلحق بها الدول الحاقاً كما جرى في الحرب على العراق عامي 1991 وعام 2003.

وطاولة المفاوضات التي حسم عليها الملف النووي الايراني وتلك التي يجري عليها التفاوض على الأزمة السورية، هي النواة للنظام الدولي الجديد، الا ان هذا النظام لم يستقر بعد ولم يحسم مدى تأثير كل طرف فيه ودورة، لذلك ستتواصل حرب داعش ضد داعش بين الدول الكبرى، حرب الهيمنة وتحديد مناطق النفوذ وحجم مصال كل طرف، ربم السنوات القليلة القادمة، فالنظام الدولي الجديد لم يتبلور كفاية لمعرفة ميزان القوى الجديد وكيفية ترتيب سلم القوى فيه، خصوصاً اننا أمام سنة انتخابات أميركية لا تصلح لاتخاذ قرارات ذات طابع استراتيجي فمثل هذه القرارات في العادة تترك للرئيس الأميركي الجديد، والذي ما أن يستلم مهامه في مطلع عام 2017 سيكون الكثير في العالم قد تغير بما لا تشتهي واشنطن وقيادتها للعالم.