الأصدقاء الافتراضيون
شرفة الحياة - فتحي البس
لكل منا مئات وربما آلاف من "الأصدقاء "على صفحات التواصل الاجتماعي. جلّهم أصدقاء افتراضيون لا يوجد بيننا وبينهم علاقات حقيقية، جزء منهم بيننا معرفة طبيعية وتواصل انساني غير افتراضي، وحتى هؤلاء، منهم عدد قليل يمكن وصفهم بالأصدقاء الذين يجمعنا بهم تاريخ وحاضر وتبادل أفكار وعواطف ومواقف، وعلاقات إنسانية مباشرة، نستطيع أن نهرع لهم في حالاتنا المختلفة التي يكون فيها فرح او حزن أو اضطراب، أو حاجة لتبادل مشورة نحتاجها لتجاوز موقف أو حالة ما.
المعضلة التي نواجهها أن الأصدقاء الافتراضيين، بمجرد وجودهم على صفحاتنا يفترضون أن لهم حقوقا ملزمة علينا، مثل تهنئتهم في كل المناسبات او استلام رسائل الصباح والمساء والنصائح والاغاني والادعية وما شابه، وينتظرون تعليقاتنا حتى على نكاتهم السمجة، أو حكم ينسخونها، أو أمثال يضربونها، او حكايات ينسجونها أو شائعات يتلقفونها، ويراقبون كم مرة نضع علامة اعجاب على "بوستاتهم"، وإن لم تكن عديدة، يهددون بحجبنا أو طردنا من جنتهم او يوجهون لنا تهما اقلها اننا غير اجتماعيين. دائما يظنون أننا نقرأ ما يجودون به حتى لو كان حول طبخة خبيزة أو شربة ماء باردة، دون إدراك ان لا أحد منا يستطيع ان يقرأ ويتابع ما ينشره مئات او آلاف "الأصدقاء".
قد يبرز عند البعض سؤال، ولماذا تقبل على صفحتك هذه الأعداد الكبيرة.
الجواب في حالتي أنني كاتب، وكل كاتب يحب أن تصل كتاباته الى جمهور واسع، وعند البعض الآخر، يكون الجواب أن العدد الكبير على صفحته دليل على أهميته يتباهى به بين عائلته وخلانه، وبرهان لأعدائه أو منافسيه في أي مجال، أن حضوره قوي ومؤثر، وربما الرغبة النفسية بمشاركة أحواله وعرضها ومشاركتها على أوسع نطاق.
هي أسباب كلها منطقية، ويمكن أن تكون مفيدة إذا تواضع الأصدقاء، وقبلوا مفهوم الصداقة الافتراضية غير الملزمة، وابتعدوا عن حالة الترقب والتوتر التي تصيبهم عندما لا يحصدون عددا وافرا من علامات الاعجاب او التعليقات، ويدركون أن الشركات التي تشرف على صفحات التواصل الاجتماعي أتاحت هذه الأنواع المتعددة من التفاعل لأسباب تجارية ليس أكثر.
وأتساءل دائما، لماذا لا يتواصلون على الخاص مع اصدقائهم حول احوالهم الخاصة، ويتبادلون معهم ما يريدون اطلاعهم عليه عندما يتعلق الامر بمجريات حياتهم اليومية لإبقاء اتقاد شعلة التواصل الإنساني الخاص؟
طبعا لا أنفي الفوائد الجمة عندما يتعلق الأمر بطرح موقف او فكرة او نشر معلومة مهمة او موقف حول قضايا عامة، أو تبادل خبرة وتجربة تستحق تعميمها ومراقبة ردود الفعل حولها، لان في ذلك منفعة، فيها تأثير، ومن خلال الردود الراجعة، قد يتأثر صاحب النشرة، سلبا او إيجابا، يصل أحيانا إلى تعديل الموقف والسلوك.
وأسوأ النتائج تكون عندما يسود النفاق بتوزيع علامات الاعجاب دون قراءة، أو قناعة لإثبات الحضور، هذا النوع من النفاق جعل للكتابات الرديئة حضورا واسعا، وخاصة عند الكثير من "الكتاب" الذين يتخذون من عدد علامات الاعجاب دليلا على أنهم أصبحوا روائيين وشعراء وقصاصين ونقادا، فيقدمون أعمالهم للنشر، فإذا اعتذر الناشر لرداءة المضمون، يشنون عليه هجوما بأنه لا يتابع ولا يعرف كم لديهم من متابعين ومعجبين وبأنه الخاسر الأكيد.
الأصدقاء الافتراضيون في حياتنا العصرية مهمون، ولكن الأهم عدم افتراض وجود حقوق ملزمة على الآخرين.