تحولات في المناخ السياسي في الولايات المتحدة!
د. رمزي عودة
أظهر استطلاع جديد للرأي، نفذته المنظمة اليهودية الأميركية (جي. تي. اي) أن العدوان الإسرائيلي الأخير على الشيخ جراح وغزة عمق الخلافات داخل صفوف الأقلية اليهودية في الولايات المتحدة باتجاه مزيد من التأييد لصالح الحقوق الفلسطينية، لدرجة أن 38% من المبحوثين يعتبرون سياسة إسرائيل مع الفلسطينيين عنصرية شبيهة بعنصرية البيض ضد السود في أميركا، وقال 25% من المبحوثين إنهم يعتبرون إسرائيل دولة فصل عنصري (أبارتهايد). وأعرب 61 % منهم عن تأييدهم لحل الدولتين. ووافق ثلث الناخبين الشباب على أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي مبادرة جديدة في الولايات المتحدة، وقع نحو 1000 أكاديمي وعالم على عريضة تعتبر إسرائيل دولة فصل عنصري أبارتهايد، وترى الوثيقة أن اسرائيل تمارس نظام الفصل العنصري على الإنسان الفلسطيني وليس فقط المكان، وتعتبر الوثيقة أن دولة الاحتلال لم تعد تعمد إلى إخفاء طابع اﻷبارتهايد لنظامها، إذ إنها تؤكّد في سياستها دائماً على التفوق اليهودي، وعلى حقوق اليهود حصريّا في تقرير المصير في كامل فلسطين التاريخية بمقتضى القانون الأساسي الجديد الذي أقرّه الكنيست في عام 2018، وهو قانون القومية اليهودي.
من جانب آخر، تشهد الولايات المتحدة الأميركية مؤخراً مجموعة من الحراكات الشعبية والنقابية التي تدين الاحتلال الإسرائيلي والتي تطالب بتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني. في هذا السياق، فقد أدانت نقابة عمال ولاية فيرموث في بيان لها سياسة التطهير العرقي التي تمارسها قوات الاحتلال في حي الشيخ جراح وسلوان، والاعتداءات اليومية على المسجد الأقصى والهجمات الأخيرة على قطاع غزة. كما صوتت مؤخراً نقابة معلمي مدينة سياتل في ولاية واشنطن بالإجماع على قرار مشابه وبلغة غير مسبوقة جاء فيه أن دولة الفصل العنصري والاستعمار إسرائيل ومنذ قيامها طردت ملايين اللاجئين الفلسطينيين ومنعت عودتهم لمنازلهم في الوقت الذي تلقت فيه منذ قيامها نحو ١٤٧ مليار دولار دعما ماليا من الولايات المتحدة. وعلى الخطوة السابقة نفسها، قامت نقابات معلمي سان فرانسيسكو ولوس أنجيلوس ورابطة المدرسين من حملة درجة البروفيسور ونقابة المدرسين في جامعة روتجرو في نيوجيرسي بمطالبة الإدارة الأميركية بلجم إسرائيل عن الاعتداءات المتكررة على الشعب الفلسطيني.
ويبدو أن موجة تتصاعد بقوة في الولايات المتحدة لصالح الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ومحاربة الاستيطان والمقاطعة. البارحة، رفع الناشطان المتضامنان مع الحقوق الفلسطينية الكنديان "خالد معمر"، و"ديفيد ميفاسير" دعوى قضائية تطالب الحكومة الكندية بحل ومحاكمة جمعية استيطانية مسجلة في كندا وتنشط في الولايات المتحدة الأميركية وكندا، لجمع تبرعات لصالح المستوطنات. وقبل يومين، رفضت محكمة أميركية طلبا من إحدى المنظمات الأميركية الصهيونية بالحصول على بيانات شخصية للطلبة المشاركين في فعاليات مناصرة للقضية الفلسطينية. وقد جاء هذا الطلب بحجة التحقق من كون بعض الناشطين متهمين بقضايا إرهاب على حد ادعاء المنظمة، إلا أن المحكمة رفضت هذا الطلب تحت ذريعة تعرض الناشطين المناصرين للقضية الفلسطينية لأعمال قمع وتهديد إذا ما تم التصريح عن بياناتهم الشخصية. وقد اعتمد قرار المحكمة بشكل قوي على تقرير جديد أصدرته منظمة «بلاستاين ليغال» الحقوقية الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الفلسطينيين في الولايات المتحدة أظهر أن معظم القمع الواقع على جهود المناصرة والدفاع عن الحقوق الفلسطينية في الولايات المتحدة موجه نحو الطلاب والهيئات التدريسية، ويبيِّن أن 89% من تلك الحالات وقعت في الجامعات في 2014، و74% في العام 2019.
في الواقع، يجب استغلال هذه التحولات المهمة في الشارع السياسي في الولايات المتحدة، بحيث يتم توجيهها لخدمة المشروع الوطني الفلسطيني، ويمكن للسلطة الوطنية الفلسطينية والأحزاب الفلسطينية ومنظمات المجتمع المدني ذات العلاقة، إضافة الى الحركات السياسية المناهضة للاحتلال، أن تقوم برفع قضايا في محاكم الولايات المتحدة ضد سياسات الاحتلال في المناطق الفلسطينية المحتلة، وتشكل هذه الدعاوى طلبات تعويض ومقاضاة للمتهمين الإسرائيليين بارتكاب جرائم ضد الانسانية. وفي السياق، تتيح هذه البيئة فرصة للمنظمات الفاعلة في الولايات المتحدة أن تطالب الجامعات الأميركية برفض قبول الطلبة الاسرائيليين الذين خدموا في قوات جيش الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة وفي المستعمرات الاسرائيلية. وفي هذا السياق، أنصح القائمين على برامج المناصرة لصالح القضية الفلسطينية أن يعتمدوا على ما كتبه عمر شاكر في تقريره الصادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش، حيث يقول في التقرير إن اسرائيل هي دولة أبارتهايد واضطهاد في نفس الوقت، وهما جريمتان كبيرتان في القانون الدولي، ويجب قيام الأطراف ذات العلاقة مثل الدول والمنظمات الدولية والحركات السياسية بمقاطعة كل من له علاقة بهاتين الجريمتين كالشركات والمسؤولين العامين والجنود وغيرهم.