قبضة أميركا على العالم تتراخى فهل ينعكس ذلك على فلسطين؟
شرفة الحياة - فتحي البس
في حقبة الحرب الباردة التي امتدت لعدة عقود، من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى تفكك الاتحاد السوفييتي وحتى إعلان الرئيس الأميركي جورج بوش الأب مع زعيم روسيا بوريس يلتسين عام 1992، انتهاء الحرب الباردة، سادت العالم ثنائية القطبية، واستقرار طويل حيث سيطرت قوة الردع المتبادلة رغم خوض القطبين حروبا متبادلة بالوكالة، خرجا منها بهزائم متكررة لحلفاء الولايات المتحدة، وأخرى للاتحاد السوفييتي في أفغانستان.
منذ ذلك التاريخ، سيطرت أحادية القطبية بسيطرة الولايات المتحدة الأميركية بهراوتها الثقيلة على العالم وفرضت النظام الدولي الجديد بقيادتها، وبسيطرتها المنفردة عسكريا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا وإعلاميا، تشن الحروب دون رادع، وتقبض بيد من حديد على المنظمات الدولية وخاصة منظمة التجارة العالمية، تعاقب وتعفو وتكافئ، تعاقب المعارض، وتعطي للموالي امتيازات تضمن ولاءه....هراوة لشرطيٍّ عالمي يعطي حسن السلوك لمن يشاء، وينهال على رأس المخالف دون تردد أو خوف من عقاب، ولعل غزو أفغانستان والعراق خير دليل على ذلك.
لم يستسلم العالم تاريخيا لهذه السطوة، ولم تحسب الولايات المتحدة حساب سرعة تعافي روسيا والصعود الصاعق المتحدي للصين، وتململ دول وشعوب العالم ورفضها لهذه العنجهية.
اليوم، في العالم المعاصر، تتهاوى قيم النظام الليبرالي الأميركي الذي شكل قناعا لسيطرة أميركا، وتنبهت الدول والشعوب إلى تناقضات التطبيق المنحاز لقيمه، وحسب حاجة أميركا وحلفائها، ولعل أبشع تجليات هذا التناقض كان في فلسطين، حيث ظل الدعم الأميركي لدولة الاحتلال العنصرية بنظام الأبارتهايد والاضطهاد المفرط للشعب الفلسطيني، وحرمانه من حقوقه القومية ومقومات حياته الإنسانية الأساسية هو أساس سياستها في منطقة الشرق الأوسط.
اليوم، أصبح العالم متعدد الأقطاب، تنشأ تحالفات دولية تواجه نفوذ أميركا، تقود الصين التحدي، وتتجاوز الولايات المتحدة تكنولوجيا واقتصاديا، وتتبع سياسة الشراكة مع الدول والشعوب دون فرض سياسة الإلحاق والهيمنة والسيطرة، ويكفي النظر لسياستها الناعمة بمشاركتها للمنافع الاقتصادية من خلال سياسة "الحزام والطريق- طريق الحرير" وقيامها بمشاريع استثمارية ضخمة تستفيد منها الدول الشريكة في التنمية وخلق بدائل لساسة عقوبات الشرطي الأميركي، وبالتوازي، تبني قوتها العسكرية، وتفرض وجودها القوي حيث يلزم، وخاصة في بحر الصين.
وفي نفس الوقت، تشارك روسيا في تحالف غير معلن هذا التحدي، فنراهما تتواجدان بقوة حيث تفترض الولايات المتحدة هيمنتها، كما هو حاصل مع دول الخليج وتركيا ودول أوروبا الشرقية والغربية، حتى في "إسرائيل" ربيبة الولايات المتحدة.
تتنبه الولايات المتحدة لهذه التحديات الخطيرة، فنجدها تعيد النظر في وجودها في مناطق كثيرة، فتخرج من أفغانستان وتقرر الانسحاب المنظم من العراق، وتعيد نشر قواتها وقواعدها في العالم، وتقرر الانسحاب من الشرق الأوسط حيث ترى مصلحتها.
ما يهمنا، لماذا لا تتراخى هذه القبضة عن فلسطين وتستمر في دعم غير محدود لإسرائيل التي لم تتوان عن بناء علاقات اقتصادية وعسكرية مع الصين وروسيا، فجاء وزير خارجية الولايات المتحدة إليها ليخيرها بين الولاء المطلق للولايات المتحدة بوقف المشاريع المشتركة مع الصين أولا، وإعادة النظر بمسار علاقتها مع روسيا، مقابل مكافأتها ببقائها الدولة المحظية ولو على حساب الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.
قدّم الفلسطينيون لأميركا ما أرادت، كذلك فعلت دول المنطقة، فلم يحصلوا من الولايات المتحدة، رغم ما جنته منهم من مكاسب عظيمة، إلا على التخلي وتهديد وجودهم وأنظمتهم بالانهيار.
هراوة الولايات المتحدة لم تنفع مع الأردن حيث رفض العاهل الأردني بحزم صفقة القرن، كذلك فعل الرئيس محمود عباس، الذي ظنت الولايات المتحدة أنه الأضعف في المعادلة، حيث قال لا بلغة غير دبلوماسية، رغم تجنيد كل أساليب الضغط عليه.
تتراخى القبضة الأميركية على العالم، ويجب أن ينعكس ذلك على تقوية وتصليب الموقف الفلسطيني العربي، بالإدراك أن الارتماء في حضن إسرائيل لم يعد هو الحل ولا المستقبل.