تغريدة للرجال
حنان باكير
في أزمنة الرياء، وتقلب الأهواء، والتضحية بالمبادئ والمواقف الانسانية، خدمة لمصالح آنية وشخصية.. نفتقد، نتذكر، ونترحم على أصحاب المواقف الرجولية والانسانية. فهل خلا زماننا من هؤلاء الرجال، أم أننا لا نسمع بهم الا بعد رحيلهم، فتضيع منّا فرصة لقائهم، والأخذ عنهم!
حين كنت أرى صديق أبي، العكاوي الحاج ديب المكحل، وشقيقه شعبان، لم أكن بعمر ووعي يسمحان لي أن اعرف عنهما شيئا الا عمو الحاج ديب وعمو شعبان. أما باقي التفاصيل فهي من اختصاص الكبار. وبعد زمن لا أدري مداه، وعندما بدأت اسمع الحكايا من أبي، وكان عمو الحاج ديب، قد غادر نهائيا حياتنا، سمعت حكايته من أبي. وما زال اخي الكبير يرددها، كلما اصطدم بالمواقف الانتهازية لبشر هذا الزمن.
بدأ الحاج ديب حياته العملية في فلسطين. عمل في مصفاة البترول" الريفاينري"، في حيفا. أجاد اللغة الانجليزية. واكتسب الكثير من الخبرات، في مجال البترول، ومدى كثافته، وكل متعلقاته. وفي عام النكبة هاجر مثل الآخرين الى بيروت. وتجمع غالبية العكيين في منطقة برج البراجنة، فتجاور أبي والأخوان المكحل، مجددا في حيّ واحد. في الصورة الضبابية التي أحملها في ذاكرتي،لا أذكر الحاج ديب، الا بالقميص والبنطلون الكاكيين. ولاحقا عرفت من أبي، انه لا يرتدي الا هذا اللون وهذا النمط من الملابس، وأنه لا يستسيغ ارتداء الطقم أو ربطة العنق "الكرفات".
عندما اكتشف الانجليز البترول في السعودية، سافر الحاج ديب للعمل هناك، حاملا خبراته وتجربته في هذا المجال. وكان أحد أبرز الخبراء والمسؤولين، في شركة أرامكو الشهيرة. مثّل السعودية في العديد من المؤتمرات، في باريس وأميركا، بعد أن منح الجنسية السعودية.
لسنوات طويلة، بقي الحاج ديب يعمل بكل إخلاص ووفاء في الشركة. وذات مرة اكتشف سرقة كبيرة من البترول. ففي داخل الأنبوب الضخم الذي يضخ فيه البترول، لاحظ وجود انبوب آخر أقل حجما منه، وأن البترول في داخله، يذهب الى مكان آخر، حيث يجمع وينقل الى جهة مجهولة. فاتح المسؤول الأميركي بالموضوع، الذي سارع الى تقديم عروض مغرية له. الجنسية الأميركية، وشيك على بياض، ومبالغ طائلة من المال، وأراض في كاليفورنيا، وكان جواب الحاج ديب "والله لا أشرب من بئر وأرمي به حجار"!
استاء المسؤول الأميركي من هذا الرد. فكان أن قام بتدبير وتلفيق قصة للتخلص منه. فاتهمه بجملة قضايا سياسية، تمس أمن البلد. فزجّ به في السجن لمدة ثمانية أشهر. تدخل الملك فيصل، رحمه الله، شخصيا، وقام بتقصي ومتابعة الموضوع، بسبب سمعة الرجل الطيبة وتفانيه في عمله، الى أن ظهرت براءته.. وعاد الى عمله.
أراد الملك تكريم الرجل لجهوده وخدماته وإخلاصه في العمل. وكان التكريم في أحد الفنادق الفخمة، حيث دعي عليّة القوم والأمراء.. ذهب الحاج ديب الى حفل التكريم، بملابسه المعتادة، القميص والبنطلون الكاكيين. على مدخل الفندق، حيث الفخامة والأجواء الملوكية، اعترضه الحرس، وحاولوا منعه من الدخول.. وهو يقول انه صاحب حفل التكريم.. لم يأبه الحرس لكلامه، الى أن ظهر من عرّف به، ودخل الفندق بكل الاحترام والتبجيل. في بيروت، وقبل اسبوعين، عرفت من قريب للأخوين، أن "عمو شعبان"، الذي أعطى اسمي لابنته، التي هي صديقة قديمة، كان تيمنا بي. رحم الله هؤلاء الرجال الرجال!
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل