عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 26 تموز 2021

زيارة سرية الى الناصرية

هادي جلو مرعي

الجغرافيا، وبرغم مرور بضعة آلاف من السنين تبدو كفتاة مطيعة تحضر واجباتها جيدا، وهي أقل عرضة للتزييف من التاريخ الذي تحول الى ما يشبه كرة القدم التي تركلها الاقدام، وتنتقل بها من مكان الى آخر في الملعب الواسع، والجغرافيا تمر بها الجحافل، وتتركها كما هي، ولكن تلك الجحافل تكتب التاريخ كيف تشاء، وعلى مزاجها الرحب، ولا أعرف بالضبط ما الذي شدني لأصل طريقا من الناصرية في جنوب العراق الى الناصرة في شمال فلسطين، ربما لموسيقى تجمع الاسمين، أو لأن إبراهيم ولد في الناصرية، وعاش حوالي الناصرة، ومدن فلسطين الأخرى، وترك إرثا من الأبناء الأنبياء الذين توارثوا المدن، وأورثوها هيبة، وبقيت شاهدا على أنهم مروا من هنا، أو ماتوا، ودفنوا هنا.

الناصرية تقع الى الجنوب من بغداد، ولكنها بعيدة في ذلك الجنوب، وغريبة، مررت بها في 23 و24 تموز عام 2021 وبت ليلتي الأولى في فندق بسيط، وتجولت في شوارعها ليلا مشيا على الأقدام، ونهارا في السيارة، كانت تبدو كعجوز تحتضر، او كمقبرة تتخللها شوارع واسعة، وسألت نفسي: ماذا لو كنت من أبناء المدينة، وكان عمري بعمر الشبان المحتجين؟ هل كنت سأتظاهر فقط؟ فكرت في أنني يمكن أن أنتحر، أو أهرب من المدينة الى مكان آخر مع أن المدن والقرى تبقى آسرة لبنيها الذين يتوقون لها حتى حينما يهاجرون الى أقصى الأرض، وحين يبتعدون لسبب ما. وحين دخلت بغداد فجرا شممت منها رائحة الكاردينيا.

الفرق بين الناصرة والناصرية ليس بحرف الياء، بل هوأبعد بكثير، فالناصرة مهبط البحر، وسقوفها قرميد أحمر، بينما لا تستطيع الناصرية إتقاء حرارة الشمس، ولا يعرف بنوها أين تذهب خيراتهم، وكيف تسلب منهم، ولماذا لا يتم الاستثمار فيها، ولا يجري تعميرها، فأهلها يتسابقون في إكرام الضيف، ويتوهجون غيرة وحمية وشجاعة وعنفوانا ورجولة ويستحقون الحياة والكرامة والعيش الرغيد الذي حرمت منه أجيال وأجيال منذ تأسست، ومارست الحياة.

نظرت في وجه (عادل فضل) وهو شاب، وابن لشيخ عشيرة معروف، كان يقبع في كرسيه المتحرك، هو مصاب بالشلل برصاصة أثناء الاحتجاجات، ويحتاج الى العلاج في الغرب، ينظر الى أصدقائه الشبان وهم يلعبون كرة القدم، ويحلم بالشفاء ليعود الى حياته الطبيعية في ما يشبه المعجزة التي قد لا تتحقق مع طول المدة، وتأخر العلاج.. لا تكفي الكلمات للحديث عن عذابات الناصرية، وكنت حزينا وأنا أتنقل فيها، ولم أبلغ صحفييها بوجودي، ولا أصدقائي هناك. قررت أنها زيارة سرية الى الناصرية.

كاتب عراقي