من خالدة إلى سهى.. افتراضيا
بشار دراغمة
"ابنتي سهى: كيف تحرك النعش منقوصا من قبلة خالدة؟ أراهم يدفنوك بهدوء صاخب بعدما ساروا بجثمانك دون أن أمنحهم قوة إضافية".
ابنتي: اعذريني، أقبع الآن في زنزانتي، وقد فاضت دموع القلب والعينين، لم أعتد البكاء يا سهى، ولم أتخيل قوتي إلا خالدة، لكن خبر رحيلك قرر منح قوتي إجازة مؤقتة، ولا بد للدموع أن تقول ما تشاء في يوم القهر الأكبر، لا أدري متى تنتهي إجازة البكاء، فأنا هنا لا أتحكم في شيء، والسجان هو من يقرر كل تفاصيل المشهد، عليّ أن أخبرك أن الاحتلال كان صاحب القرار في منع قلب وجثمان أن يلتقيا حتى ولو على بوابة السجن اللعين، ولا بد لقلبك الذي ذبل باكرا أن يستوعب حجم المحاولات التي بذلت لاحتضانه.
يا سهى: أنا في الزنزانة اللعينة الآن، أحاول لملمة الصورة وتمريرها في مخيلتي، أجمع الذكريات وأحدث رفيقات الأسر عنها، فهنا الكل في الهم شرق، نحدث بعضنا عن أمهات فقدن فلذة أكبادهن برصاص الاحتلال وصواريخه، يحكين لي ما أعرفه عن معاناة أم فلسطينية ودعت أبناءها بالجملة.
ابنتي: في رحلة الوداع الأخير، أعدك باستعادة القوة، فهذا كل ما أملكه الآن، يحاول السجان مصادرتها، لكن هذه القدرة غير قابلة للانتزاع أو التفاوض على أبعادها وحدودها، فقد أخبرتك ذات يوم أنها خالدة كما هو اسمي تماما، لكن عذرا لم يكن في حسباني أن رحيلك سيحل قبل موتي، لإيجاد ثغرة تزعزع قوتي بشكل مؤقت، حتما سأعود ذات يوم كما عرفت أمك، وكما كان يحلو لك أن تتباهي بها.
هل تدركين يا سهى أن أسألتي لرفيقات الأسر كانت كلها خارج المألوف، سألتهن عن الجرأة التي سيطرت على المشيعين ليسيروا دون أن أمنحهم قوة إضافية على حمل جثمانك؟ ذكرت لهن أن المشهد كله غريب فحتى الوداع كان خارج الحزن المعهود فلسطينيا.
أدركت يا سهى دوما أن كل أخبار الموت موجعة رغم كثرتها في فلسطين، بفعل الاحتلال الذي يزرع الموت في كل شارع، لكن خبر رحيلك زاد عن حد الوجع المعهود، فأنا الأم يا سهى التي حرمت ضم الجثمان، أنا قلبي هو قلب أم يا سهى فحتما سينفطر على نبأ الرحيل.
لن ألعن إلا الاحتلال يا حبيبتي، الذي منع أن يكون مشهد الوداع اعتياديا رغم أوجاعه، فأضاف الملح على الجرح حتى بلغ حد الـ "آآآآآه" ارتد صداها في زنازين مجاورة.
أعلاه رسالة افتراضية تخيلية من الأسيرة خالدة جرار إلى ابنتها سهى جرار التي توفيت إثر نوبة قلبية، ورفض الاحتلال كل الجهود التي بذلك لمشاركة الأسيرة خالدة في وداع جثمان ابنتها، كما رفض نقل الجثمان إلى سجن عوفر لإلقاء نظرة الوداع الأخير هناك.