تنسيق إنساني أم أمني؟
د. رمزي عودة
بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، فرضت حكومة الاحتلال الإسرائيلي قيوداً جمة على قطاع غزة المحاصر منذ نحو 15 عاما. ومن هذه القيود تقليص مساحة الصيد إلى 6 أميال، وفرض قيود إضافية على استيراد القطاع للمواد والسلع ثنائية الاستخدام (المدني والعسكري)، وبرز من أشد هذه القيود الجديدة ما أعلنه "غانتس" وزير الدفاع الإسرائيلي حول تقييدات جديدة على المنحة القطرية للقطاع.
من المعروف أن الحكومة القطرية تقدم نحو 30 مليون دولار شهرياً كمساعدة لقطاع غزة، وقد ارتبطت هذه المساعدات أساساً بتفاهمات التهدئة بين حماس وإسرائيل، وذلك بهدف تشجيع الهدنة المتبادلة بين الطرفين. وقد وافقت مسبقاً حكومة نتنياهو على تسهيل مرور المنحة القطرية إلى القطاع. وبررت حكومة نتنياهو عدم ممانعتها لهذه المنحة بأنها تتضمن شروطاً بتعهد حماس بعدم إطلاق الصواريخ من قطاع غزة. ومع نهاية حقبة نتنياهو واشتعال المنطقة بعد تجدد جرائم الاحتلال في الشيخ جراح والمسجد الأقصى، فإن حكومة الاحتلال أعلنت عن وقف تمريرها للمنحة القطرية بحجة أنها تستخدم في تعزيز المجهود العسكري لحركة حماس. وبالفعل، وفقاً لما أعلنته قناة "كان" العبرية، مساء الأحد الماضي، تم التوافق مؤخراً على تمرير هذه المنحة وفقاً لشروط إسرائيلية جديدة، تتلخص في توسيع مساحة الدول المانحة لإعادة إعمار غزة لتشمل دولاً أوروبية لا تعترف بحركة حماس، كما تتضمنت الشروط الجديدة موافقة جهاز المخابرات الإسرائيلي "الشاباك" على بنود صرف هذه المنحة، وفي إطار القيدين السابقين.
بالمقابل، هنالك دلالات ونتائج مهمة ستنتج عن قبول حركة حماس لهذه الشروط لاسيما فيما يتعلق بموافقة "الشاباك" على بنود هذه المنحة، ومن أهم هذه الدلالات:
أولاً: استحالة حصول عناصر المقاومة أو عائلاتهم والأسرى وعائلات الشهداء على أي دعم من هذه المنحة، بما سيؤدي إلى تغيير الدور الوظيفي لسلطة الأمر الواقع لحماس في القطاع إلى سلطة خدماتية بالأساس.
ثانيا: توفير حركة حماس كل المعلومات الضرورية حول بنود الصرف والمستفيدين ومجالات الصرف والآليات المستخدمة بما فيها معايير الصرف. بحيث يتم نقل هذه المعلومات عبر الوسطاء الدوليين إلى مسؤولي الأمن الإسرائيليين، والتي ستساعدهم في تحديد قراراتهم النهائية بشأن الموافقة على الصرف لكل بند على حدة.
وبالنتيجة، يبدو أن مرحلة جديدة في إدارة العلاقات بين حماس وإسرائيل بدأت تتشكل، عنوان هذه المرحلة الانتقال من ما يوصف بالتنسيق الإنساني إلى مرحلة ما يمكن تسميته التنسيق الأمني أو شبه الأمني. صحيح أن هذا التنسيق سيتفعل من خلال وسطاء، الا أن ذلك لن يلقى اعتراضا من حماس بشأن التوافق مع المتطلبات الأمنية لدولة الاحتلال بما فيها توفير المعلومات. وفي المحصلة، يبدو أن حماس المنهكة من الحرب الأخيرة ستقبل هذه الشروط الجديدة بما فيها شرط التنسيق الأمني مع الاحتلال. وبالضرورة، ستخضع مسألة إعادة إنتاج البراغماتية السياسية لهذه الحركة لاختبار جديد، ولكنه صعب في هذه المرة. ولن يكون هنالك أي حل لهذه الجدلية إلا من خلال قبول حماس توزيع أموال إعادة الإعمار بما فيها المنحة القطرية من خلال السلطة الوطنية الفلسطينية وقنواتها المالية باعتبارها السلطة الشرعية التي تحظى بالقبول الدولي والوطني. وسيكون قبولها هذا إن تم مؤشراً ضرورياً على إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة.