الانتصار العظيم..!!
شرفة الحياة-فتحي البس
الشعوب التي تعيش تحت الاحتلال تعلن انتصارها العظيم عند إنجاز التحرير وكنس الاحتلال، قبل ذلك هي تخوض معارك حاسمة و"حروبا" ثانوية قد تحقق فيها انتصارات تتراكم على طريق الانتصار العظيم. من الأمثلة الساطعة الإنجاز الفيتنامي في معركة "ديان بيان فو" ضد المستعمرين الفرنسيين يوم 8 أيار 1954، التي أذلت الفرنسيين، وكانت مقدمة لإعلان النصر العظيم عليهم في تموز 1954 بتوقيع اتفاقية الخروج الفرنسي نهائيا في جنيف، لكن لم يكن هذا الاتفاق إلا بداية طويلة لحرب تحرير فيتنام، حيث قسَّم الاتفاق فيتنام إلى فيتنام الشمالية وعاصمتها هانوي، وفيتنام الجنوبية وعاصمتها سايغون، فبدأ التدخل الأميركي لدعم سايغون، ومنع توحيد فيتنام، فخاض الفيتناميون حربا طويلة ضد أكثر من نصف مليون جندي أميركي، وحلفائهم الجنوبيين ودول أخرى، حققوا انتصارات تراكمت على مدار عشر سنوات، انتهت بالانتصار العظيم بهروب آخر جندي أميركي وحلفائهم في طائرة هليكوبتر من على ظهر السفارة الأميركية في سايغون يوم 30 نيسان 1975. هكذا يكون النصر العظيم، إنهاء الاحتلال.
في فلسطين، يخوض الشعب معارك حاسمة على مدى سنوات طويلة، حقق فيها انتصارات، تتراكم، فهذه قواعد حرب التحرير الشعبية. لن أخوض في تاريخ معاركنا مع الاحتلال، لكني سأتوقف عند معاركنا الحالية وبعض رموزها، فالمعركة الأساسية تدور رحاها في الضفة الغربية، حيث يواجه الشعب الفلسطيني قوات الاحتلال المجرمة، جنودا ومستوطنين، للاستيلاء على الأرض وتدمير المشروع الوطني الفلسطيني الذي تقوده منظمة التحرير الفلسطينية. يلجأ الاحتلال إلى تحييد المحافظات الجنوبية، أي قطاع غزة، بالحصار والتدمير والمفاوضات للحصول على ما يسمى تهدئة دائمة أو طويلة، ليتفرغ لتحقيق أهدافه بالسيطرة الكاملة على ما يعرف لديهم بيهودا والسامرة، ويعرف لدينا بالمحافظات الشمالية، أي الضفة الغربية وجوهرتها القدس.
لنفحص انتصاراتنا الصغيرة والمتراكمة وبعض رموزها، فإضافة إلى فشل العدو الصهيوني في إنهاء بنية الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال، منذ اجتياحها المدمر لكل الضفة الغربية إثر الانتفاضة الثانية، انتفاضة الأقصى التي اندلعت في 28 أيلول 2000، وتدميره لكل البنى التحتية، ومجازره المروِّعة، وأبشعها مجزرة مخيم جنين، إلا إن المقاومة على كل الصعد مستمرة بأشكال وأدوات مختلفة.
كانت الانتصارات الجزئية لكن المتتالية في نعلين، ومواقع أخرى آخرها جبل صبيح وتل، وقبلها في الشيخ جراح والمسجد الأقصى، وباب العامود وسلوان، ومواقع المواجهات المتناثرة على امتداد المحافظات الشمالية، ورموزها وأبطالها كثيرون، لكن سأتوقف أمام رمزين: الأول هو الغضنفر والثاني الحاج سامي صادق.
الغضنفر أبو عطوان، حقق انتصارا بإطلاق سراحه وإلغاء اعتقاله الإداري بعد 65 يوما من الإضراب عن الطعام. الغضنفر، ابن دورا وسليل عائلة مناضلة اتسمت بصلابة المواجهة مع الاحتلال، راكم على الانتصارات السابقة التي حققها الأسرى الفلسطينيون في معارك الأمعاء الخاوية المتتالية للأسرى الفلسطينيين والتي بدأت بثلاثة أيام في سجن نابلس أوائل عام 1968، تلاها إضراب سجن عسقلان عام 1970، فإضراب سجن نفحة 1980، وأصبحت معركة الأمعاء الخاوية بعد ذلك أداة مقاومة استخدمها الأسرى بشكل متكرر، تحققت فيها انتصارات متراكمة، لكن الانتصار العظيم في هذه المعارك يكون بتحرير كل الأسرى. طوبى للغضنفر، آخر رموز هذا النوع من المعارك.
أما الرمز الثاني، الحاج سامي صادق، فهو أيقونة المقاومة للاستيطان اليهودي في الأغوار، وبطل تنحني له القامات احتراما، فقد أصيب برصاص الاحتلال في حزيران 1971 وهو فتى في السادسة عشرة من عمره، نتج عنها شلل تام في الجزء الأسفل من جسمه، جعله من ذوي الإعاقة، لكن ذلك لم يوقفه عن مقاومة الاحتلال، فتصدى لمحاولات هدم قريته العقبة، وقاد حراكا مستمرا وتمكن من الحصول على دعم محلي ودولي، فأعاد للعقبة روحها وحياتها، وانتخب رئيسا لمجلسها القروي، وجعل منها قرية نموذجية تحدَّت إخطارات قرارات الهدم، وبنى فيها مسجدا بمئذنة صممت على شكل إصبعين ترفعان إشارة النصر، تحتضن شجرة زيتون عمرها من عمر الوجود الروماني، تأكيدا للوجود الفلسطيني منذ الأزل، وشارك ليس في الحفاظ على قريته العقبة فقط وإنما في كل معارك المواجهة مع المستوطنين وجنود الاحتلال في منطقة الأغوار.
حقق الحاج سامي انتصارا، كما حقق نظراؤه المقاومون للاستيطان، لكنه ليس الانتصار العظيم، إنه سيكتمل طبعا بهزيمة مشاريع الاستيطان والضم. وذلك كله لا يكون إلا بالانتصار العظيم الشامل بكنس الاحتلال.
وطبعا لن يتحقق ذلك أبدا إلا بوحدة الشعب الفلسطيني وإنهاء الانقسام وتوحيد المحافظات الشمالية والجنوبية للوطن، لاحتضان أبناء شعبنا داخل الخط الأخضر، لعلنا ننجز الانتصار العظيم كما فعل الفيتناميون، في أروع نموذج لحرب الشعب، التي تراكم على إنجازات وانتصارات متوالية.