لو عثرت بغلة في العراق
تغريدة الصباح- محمّد علي طه
-1-
ما زالت العنادل -منذ عقود-عندليبًا وراء عندليب يسقون الوردة من قلوبهم كي تحمرّ ويقدّموها لحبيبة القلب، المعشوقة السّرمديّة التي يبدأ اسمها بالفلّ، بعد بسم الله الرّحمن الرّحيم، وينتهي بالطّين الّذي جبل الخالق منه آدم ولما ترتو بعد. وقبل أن يمدّ توما إصبعه لجذعها تحرّك هؤلاء الشّبّان الصّغار الّذين كدنا ننفض راحاتنا منهم أسفًا، وخاطبوني: "اصحَ يا ختيار! فلن يبقى حرف السيّن رقمًا مجهولًا ما دامت عنادل يافا وعكّا والخليل وغزّة وقانا الجليل تسقى الورد وتعلن: نحن مليون مستحيل!!
-2-
هدلت يمامة الحرم الإبراهيميّ تناغي ورقاء أسيرة في بيسان وقد لوّعها الفراق الّذي حاك خيوطه غراب شره في مدينة الضّباب: أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا؟ مائة عام والدوريّ يسقسق، يكرج، يدرج، يدخل، يخرج، يُسجن يُفرج. يُحشر في قفص ويحلم بالفجر ويخاطبني: افترس الباز العنادل ويسعى إلى اغتيال حلم الصّغار.اصحَ يا ختيار!
-3-
سمعتُ عُصفورة صخرة شاطئ الطنطورة تروي لأختها الّتي تتنطنط من صخرة جرزيم إلى صخرة عيبال، أسطورة إغريقيّة، فصولها أربعة، وأسفارها أربعة، وألوانها أربعة، وحينما لمحتني واقفًا واجمًا، نظرت إلى الطّيور الرّماديّة الّتي على رأسي وقالت لي محذّرة: اصحَ يا ختيار قبل أن يطير النّدى عن الأزهار.
-4-
في ظهيرة هذا النّهار، رأيت رأي العين إخوة يوسف، يحملون على ظهورهم المحنيّة العاج والياقوت والطّيب والتّمور وخريطة الوطن من البحر إلى النّهر ويغذّون الخطى إلى شارع بلفور ويركعون ويسجدون ويقبّلون التراب بين قدمي سليمان، وحينما حدّثت أحفادي بما رأيت قال لي أنجبهم: اصحَ يا ختيار! أنت واقف على كَركَسَنة، ما بين الجنّة والنّار!
-5-
منذ عقود وأنا أتخاصم مع إخوّتي على سمكة في بحرنا المغتصب، يريدونها خضراء مثل عشب نيسان، ويريدونها ملوّنة مثل حمار الوحش، ويريدونها حمراء مثل شقائق النّعمان، ويريدونها ذهبيّة أحيانًا ونحاسيّة أحيانًا، ويريدونها مثل سمكة المسيح على شاطئ طبريا، ومثل سمكة الخضر على شاطئ البحر، ومثل سمكة ألف ليلة وليلة، ومثل سمكة حورية البحر في أساطير اليونان.
ونتخاصم ونتشاجر ونتفارق ونتباعد ونتّهم ونشتم ونصيح ونصرخ..
قالت لي حفيدتي: اصحَ يا جدّاه قبل أن تبلع الحيتان الأسماك ولا تُبقي لك سردينة!
-6-
قرأت اليوم ما تيسّر لي من سيرة الفاروق، خليفة خليفة رسول الله، أمير الأمراء وعظيم العظماء ووقفت عند كلّ حرف في جملته الشّهيرة الكبيرة:
"لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها: لمَ لم تسوِّ (تمهّد) لها الطّريق يا عمر!".
وفيما أنا أحدّق مذهولًا في حروفها دخلت غرفتي حفّودتي الجميلة، ذات الشّعر الليليّ والفمّ الجلنّاريّ والعينين اللوزيتين والخدّ الأسيل. وقالت لي: اصحَ. اصحَ يا جدّاه! ولا تسمح لهم أن يغتالوا حلمنا.. حلمنا.. حلمنا!!
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد!!.