مفارقة مُفْجعة
شرفة الحياة- فتحي البس
في خضم الحرب الباردة، اختارت الولايات المتحدة الأميركية السلاح الأمضى للانتقام من الاتحاد السوفييتي الذي أوجعها في فيتنام ومناطق أخرى في آسيا وأفريقيا. كان هذا السلاح استخدام مشاعر المسلمين واستنهاض الجهاد ضد الشيوعيين واحتلال السوفييت لأفغانستان المسلمة. باكستان كانت قاعدة الاستقبال والتدريب والتوزيع، وكانت دول الخليج عموماً، خزان الدعم المالي والبشري، بمشاركة الدول العربية الأساسية وخاصة الأردن ومصر، وفيهما أيضا خزانٌ بشريٌّ هائل يعتنق فكراً جهادياً، قاعدته الضخمة الإخوان المسلمون. باختصار، الرؤية أميركية، والتنفيذ عربي-إسلامي، والهدف قتال أجانب احتلوا أرضا إسلامية.
منذ عام 1978، تاريخ دخول القوات السوفييتية إلى أفغانستان، تم تزويد أعدائهم بكل ما يحتاجونه: سلاح ومال ورجال وخدمات لوجستية هائلة وفق الحاجة حتى قيل إنه لم يبق حمار في المنطقة إلّا وتم شراؤه وإرساله إلى أفغانستان لملاءمته لوجستيا مع طبيعتها.
ما أرمي اليه، أن فكرة الجهاد ومحاربة الدخلاء على أرض إسلامية كانت المهيمنة، ونجحت، وبقيَّة القصة وتعرجاتها ومآلاتها معروفة. فلماذا تغيب هذه الفكرة لدى الدول التي تسارع إلى التطبيع مع العدو الصهيوني، ليحل محلها الحديث عن الدين الإبراهيمي والتعايش وقبول الاحتلال لبلد عربي إسلامي فيه مقدسات إسلامية ومسيحية ترنو إليها قلوب العرب والمسلمين؟.
لماذا تنطلق أقلام كتاب ومثقفين ورجال دين في دول عربية متعددة تُشَيْطن الفلسطينيين الذين قدَّر الله لهم أن يكونوا مرابطين على هذه الأرض إلى يوم الدين؟ لماذا تسارع دولٌ "ركضاً" سريعا وليس هرولة إلى مدِّ العدو الصهيوني بأسباب قوة معنوية وسياسية واقتصادية، وتطلق ماكينتها الإعلامية لتزيين ذلك، وتعلن عن برامج مشتركة باستثمارات هائلة تصب مالاً يُمَكِّن المستوطنين من قضم المزيد من الأراضي وتقوية المستعمرات المقامة على الأرض العربية المقدسة، إلَّا اذا كان بعض العرب لا يعرفون مثلا أن "موديعين" مستوطنة أقامها المحتلون فوق القرى الفلسطينية: خربثا وصفا وبلعين ودير قديس ونعلين، وضمّوا إليها أراضي تقع على تلة تعرف باسم "النبي زكريا"، مع أنه اكتشفت فيها آثارٌ إسلامية، طمرتها دولة الاحتلال لتوسعة هذه المستوطنة، فيزورونها ويَعِدون بتبرعات واستثمارات سخية فيها؟ .
أرسلتم كل وسائل الدعم إلى أرض بعيدة جداً، وتركتم لمنظريكم على مدار سنوات تزيين الفكرة للشباب والمتبرعين، والآن تنقلب الصورة تماماً إلى تحليل الاحتلال ودعمه ومساندته ضد أشقاءَ لكم، رووا هذه الأرض بدماء غالية دفاعاً عن شرف المسلمين والعرب؟، ألا تعرفون أنَّ ثرى هذه الأرض يضم رفات الصحابة الذين طهَّروها من دنس الروم، وأورثوها لكم ولنا لندافع عنها ونحميها؟.
لا نطلب منكم أن تقدموا لنا ما قدمتموه لأفغانستان، لا نريد رجالاً وسلاحاً، ولا حتى مالاً إن كان عزيزاً عليكم لدعم إخوتكم، نريد فقط ألا تُقدِّموا للمحتلين مبرِّرات بقائهم، وألا تُغْدقوا عليهم العطايا لقتلنا، فكل مليم يُضخ إلى اقتصادهم، يمكِّنهم من قتل فلسطيني، أو إنشاء مستوطنة أو تسمين أخرى قائمة، ويطيل من عمر احتلالهم.
كيف تقبلون استيراد بضائع المستوطنات، والعالم كلُّه يحاربها؟ كيف تستطيعون تناول خضراوات وفواكه مصدرها أرضنا المغتصبة؟ أظن أن العربي المسلم أو المسيحي، والإنسان الحر، إن عرف مصدرها لا بد وأن يصيبه المغص، ولاحقا الندم. لا تقولوا لنا إنكم تستهلكون بعض المنتجات الإسرائيلية، نحن نحاربها قدر استطاعتنا، لكننا تحت الاحتلال، مجبرون ومحاصرون وأرضنا مصادرة، بينما أنتم أمامكم اتساع المدى. هي فكرة ترامب ضدَّكم وضدنا، فلماذا تكونون أدوات تنفيذها؟
إنها مفارقة مفجعة، الوفاء للدين والعروبة، وتقديم ما يلزم للاحتلال، ضد الدين والعروبة.