عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 26 تشرين الثاني 2015

درس خصوصي

سما حسن

بعد انتهاء الدوام الدراسي، وعودة ابنتي الصغيرة إلى البيت حيث اعتادت كما باقي اخوتها أن تخلد إلى النوم ساعة ثم تبدأ بمراجعة دروسها وحل واجباتها تحت اشرافي، كنت اقف في الشرفة وأتابع ببصري أفواجا صغيرة من التلاميذ قد خلعوا ملابس المدرسة وارتدوا ملابس البيت على عجل ويحملون بأيديهم بعض الكراسات والكتب وبعضهم كان يحمل حقيبته المدرسية بأكملها ويهرع بها نحو المدرس الخصوصي الذي ينتظره في بيته أو في مؤسسة خاصة تضم عدة مدرسين في تخصصات مختلفة.

لم يكن الأمر صعبا لكي أكتشف أن كل اطفال الحي يتلقون دروسا خصوصية على اختلاف أعمارهم ومراحلهم التعليمية وعلى اختلاف مستويات أسرهم المعيشية فهناك أطفال يهرعون نحو الدرس الخصوصي والحل السحري لتعثره الدراسي رغم أن الوضع المادي لعائلته يكون تحت الصفر ولكن الدرس الخصوصي أصبح لازما وواجبا في ظل الموضة الدارجة وانشغال الأمهات عن مراجعة دروس الأبناء.

نعم فبعض اولياء الامور يرون أن هذه الظاهرة ما هي إلا صرعة من صرعات الموضة، كما أن الأمهات خصوصا اعتبرن توافر المدرس الخصوصي وقيامه بالدور الذي من المفروض ان تقوم به الأم وسيلة لكي تتفرغ لعلاقاتها الاجتماعية سواء على ارض الواقع او في عالم الانترنت الافتراضي.

كنا، والحديث عن السنوات العشرين الأخيرة من القرن الماضي، نحن الإخوة والأم نلتف حول طاولة صغيرة "الطبلية" وتراجع الأم معنا الدروس وتحضر لدروس اليوم التالي ونحل الواجبات ونقوم بـ"تسميع" جدول الضرب تباعا، وتعقد لنا الأم الاحتفالات من حلوى لذيذة تعدها في البيت أو زيارة لبيت الجد بمناسبة تفوقنا واجتهادنا، وكنا نشعر برابطة قوية تربطنا بالأم والبيت، وبأن حافزا خفيا يدفعنا للتفوق والنجاح هو حبها وفرحتها ولهفتها في ترقب درجاتنا، وفيما اذكر من خلال مذاكرتي مع أولادي حين كانوا صغارا أنني قد كنت ألحق الواحد منهم حتى باب البناية السفلي وأنا اراجع معه جدول الضرب أو سورة الفلق حتى أتأكد من حفظه واظل قلقة حتى يعود ليبشرني أن تعبي لم يذهب سدى.

حقا رزق الناس من الناس كما يقول المثل، ولكن خروج اطفالنا من البيوت يعرضهم للخطر سواء الحوادث أو التحرش وما اكثر القضايا التي نسمعها عن ذلك، وبعد الأم عن التلاميذ في المرحلة الابتدائية من أول الأسباب التي تؤدي لتدهور وضعهم الدراسي مدى الحياة، فالأم هي المدرسة وحنانها وحبها ورعايتها واهتمامها لا يعوضها أي مدرس خصوصي، وتستطيع كل أم أن تقتصد المبالغ التي تدفعها للدروس لكي تستثمرها في تغيير روتين حياتها العائلية، كما أن المدرس الخصوصي الذي ينتفع من وراء هؤلاء التلاميذ يغفل أنه يقلل من هيبة واحترام معلم المدرسة الأصلي حين يبدو "سوبر معلم" أمام التلميذ ولا عجب أن تنتشر ظاهرة الاعتداء على المعلمين والاستهتار بدورهم والحط من كرامتهم وتقليل شأنهم خاصة من قبل الطلبة الأثرياء.