سفر برلك
حافظ البرغوثي
جاء اسقاط الطائرة الحربية الروسية على حدود سوريا مع تركيا وفي المنطقة التي تريد انقرة اقامة منطقة آمنة فيها وهي منطقة يقطنها التركمان لتعيد الوضع في الأزمة السورية الى نقطة الصفر بعد الانفراجات السياسية في فيينا حول سبل انهاء الصراع هناك، لكن من يقرأ ما بين اطلاق صاروخ لإسقاط الطائرة وبين سقوطها يلحظ ان الرئيس التركي الذي تم تهميش دوره في سوريا تمسك بحماية الأقلية التركمانية فقط كمدخل للعودة كلاعب مؤثر في المنطقة التي افلتت من يده بعد احداث بلاده الداخلية والهجمات الارهابية والانتخابات إضافة الى ان التدخل الروسي قلب موازين القوى في الوضع لغير صالح المعارضة السورية، وثمة من يرى ان انقرة لا تجرؤ على المساس بالروس دون موافقة اميركية وليس موافقة حلف الناتو لأن اوروبا في غنى عن الاشتباك والتصعيد مع الدب الروسي فيما تعاني من أزمة اقتصادية مستمرة وتسونامي الهجرة وازمة اوكرانيا، فالأميركيون ربما يريدون الزج باوروبا مجددا في صراع مع الروس وهو أمر غير مستحب اوروبيا، فالرئيس التركي وقد خسر اوراقه في الأزمة ولم يعد يستطيع القيام بدور الحامي للسنة في سوريا وغيرها في مواجهة المد الشيعي يريد العودة الى حضن الناتو باعتبار تركيا في خط المواجهة، وهذه مغامرة تعيد الى الأذهان حرب القرم بين الروس والدولة العثمانية في اواسط القرن التاسع عشر حيث اصطفت مصر وتونس وبريطانيا وفرنسا وايطاليا الى جانب الدولة العثمانية وانتهت بهزيمة الروس ووقعوا معاهدة باريس، واشترط الاوروبيون على السلطان عبد المجيد منح المسيحيين حقوقا متساوية والاعفاء من الجزية لأن روسيا بررت حربها بحماية الأرثوذكس داخل الدولة العثمانية والبلقان، وبالطبع شارك الاف الجنود العرب في تلك الحرب اما كقوات منفصلة مثل تونس ومصر التي ارسلت اسطولا الى البحر الاسود او كمجندين قسرا في بلاد الشام بما يشبه سفر برلك او النفير العام الذي اعلن في الحرب العالمية الاولى مع حملة التتريك التي طالت اول ما طالت المدينة المنورة حيث هجر العثمانيون سكانها الى بلاد الشام لتتريكها بعد مد الخط الحجازي.
الآن هناك سفر برلك اي نفير عام تركي في مواجهة القطاع التركماني من سوريا وحشود عسكرية وفي المقابل بدأت روسيا في تعزيز دفاعاتها الجوية في اللاذقية ببطاريات صواريخ طراز إس إس 400 وهي الاحدث في ترسانتها، بمعنى ان التصعيد العسكري يبدو متوقعا، لكن من غير المؤكد ان تسعى اوروبا الى سفر برلك لأنها إن لم تقاتل في اوكرانيا لن تقاتل في سوريا وتركيا حتى لو طلب الاميركيون، فتصريحات قادة الناتو تدعو للتهدئة وليس الى التصعيد. فهل يكون التصعيد مقدمة لحرب عالمية او على الاقل اقليمية؟ لا نأمل ذلك لأن الدولة الوحيدة التي تقيم علاقات حسن جوار ومصالحات سرية وعلنية مع الجميع هي اسرائيل فعلاقاتها شبه عضوية مع حلف الناتو "وقوية لدرجة لا يمكنني تصورها مع تركيا" كما قال نتنياهو قبل ايام وعلاقة دعم وتسليح وعلاج مع الجيش الحر والنصرة وكتائب اخرى وبعض امراء داعش في سوريا وعلاقة تهدئة من جانب النظام السوري مع اسرائيل مع انها تضربه متى شاءت, وعلاقات تنسيقية مع روسيا وعلاقات سرية مع دول عربية كثيرة وستكون هي الوسيط لحل النزاع وتستضيفه في بيت المقدس حتى يستطيع الحضور اداء صلاة الاستموات، فلا محل للأعراب في الإعراب كما يبدو سوى ان يكونوا قتلة او مقتولين نيابة عن الآخرين.
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل