عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 24 تشرين الثاني 2015

في بيروت "1".. من مطار الحريري إلى صوت البحر

كتب محمد مسالمة

طاقم الطائرة يطلب من الركاب المسافرين الالتزام بإيقاف تشغيل الأجهزة الالكترونية لكي لا تؤثر على أجهزة الاتصال مع مطار الحريري الدولي، أيقنت أننا على موعد مع الهبوط.. وكنت قبل هذا النداء طلبت قلماً من سيدة دمشقية تجلس بجانبي، وذوقاً أهدتني "قطعة علكة" تساعد على التخفيف من تأثير الضغط الجوي الذي يرافق الهبوط.. كتبت معلوماتي الشخصية ورقم وثيقتي وعنواني على كرت ابيض نرفقه للأمن العام مع جواز السفر، وهيأت نفسي لما أراه، فما زلنا في أول النهار والرؤية واضحة.. تهبط الطائرة على مشاهد رائعة بدأت تظهر معالمها من النافذة المحاذية لمقعدي حيث حرصت أن أكون، لأرى جمالا مبيّتا في خيالي لبيروت، كما حرصت على كاميرا ترافقني أوثق فيها لبنان في عيني.

يستمر الكابتن في الهبوط وتتضح الرؤية. أرى تنوع الجغرافيا كله سوى الصحراء، جبال وسهول وشواطئ وأشجار خضراء على مساحات كبيرة، أرى بيوتا تعتلي قمم الجبال وأخرى ساحلية. ما زلت أحدّق في التفاصيل حتى لامست عجلات الطائرة أرض المطار.

"وصلنا بسلام، التوقيت المحلي هو الحادية عشرة صباحاً، الطقس لطيف، نرجو من الجميع التقيد في المقاعد لحين توقف محركات الطائرة"، تقول المضيفة الشقراء بلهجتها اللبنانية.

 ينتظرنا سائق التاكسي بعدما أن انتهينا من إجراءات روتينية وأمنية يتعرض لها المسافر في كل المطارات، وفي بيروت كانت خفيفة الظل وسريعة مضت على عكس ما كان في مخيلتي بسبب الأوضاع الأمنية التي تعيشها المنطقة بشكل عام ولبنان بشكل خاص، فقبل أيام على الوصول هزّت انفجارات الضاحية الجنوبية وأوقعت عشرات الضحايا!

المهم، تأكدت من جميع زملائي في السفر، علي من فلسطين، ومنسق الرحلة حسن، ومعه رنا وباسل من الأردن، ركبنا في السيارة مع حقائبنا وبدأ السائق يعرفنا على معالم بيروت الجميلة، شوارعها وكنائسها ومساجدها ومؤسساتها. رأينا مبنى صحيفة النهار اللبنانية وحينها قلت في خاطري سنكون على موعد معها، حيث تقع داخل مبنى كبير يجاور ساحة الشهداء، غير بعيدة عن البرلمان ومجلس الوزراء.

يتجه السائق إلى مدينة جونية مكان الفندق، يرافقنا البحر على يسارنا، ومبانٍ جميلة على الناحية الأخرى، أو "الميلة التانية على قولة اللبنانيين"، توقفت السيارة أمام فندق "اكواريوم" في جونية، حيث سنقيم لأربعة أيام قادمة، نجتمع مع زملائنا من لبنان، شادي وجو صاحبي الذوق الرفيع والرائعتان رومي وجيسي، بهم يكتمل الفريق الممثل عن برنامج "شبابلك" من الأردن وفلسطين ولبنان، وفي كل جلسة مع الفريق وخلسة مع النفس افتقد باقي الزملاء الذين تعذر حضورهم لأسباب منها الخاصة ومنها ما يتعلق بحيثيات العمل.

رقم الغرفة التي سأكون فيها "42"، وفي الغرفة، توقفت عيناي على مشهد، الواجهة الغربية للغرفة زجاجية تطل على البحر وفي طرفها باب "الشرفة"، يفصل الفندق عن البحر شارع ثم حديقة صغيرة جميلة تتغلغل في الماء تحتوي على نخيل ومساحات من نجيل أخضر مفروش على أرضها، تخطيت الباب نحو "الشرفة" ونظرت إلى الشمس التي بدأت تميل وتنعكس على سطح الماء في جهة اليسار،  وعلى يمين الفندق "خليج جونية" الذي يحتضننا!

وعلى غفلة رن جرس هاتف الغرفة، رفعت السماعة، وإذا بصوت حسن يطمئن على راحتي، أخبرته أنني بخير ووصفت له جمال المشهد، على الرغم من انه يراه، وربما بروعة أخرى فهو يعتليني بطابق، وكلما ارتفع مستوى الرؤية يرتفع مستوى الجمال، كما بدا لنا من منطقة "حريصا" لاحقاً.. لم استطع إخفاء الكلمات التي تجري في مشاعري، سألني عما اشتهي تناوله على الغداء الذي يحين بعد ساعة،  فقررت كما الجميع أكل "الكبة في اللبن".

تناولنا الغداء وجلسنا قليلاً، حتى أطل علينا شادي بابتسامته العريضة وشوق تركناه يكبر في قلوبنا بعد اللقاء الأول الذي جمع كل الفريق في عمّان أوائل شهر آذار عندما وضعنا أسس العمل المشترك، وجاء تشرين الثاني لنلتقي في بيروت ونقيّم عملنا وانجازاتنا خلال هذه الفترة، بكلمات دافئة ومشاعر صادقة وسلام حار التقينا شادي وجلسنا وبادلنا التحية والترحيب في بيروت، تحدثنا حتى وصلت رومي وجيسي وانتظرنا انضمام جو إلينا، فهو يضيف إلى لقائنا ضحكات من القلب.

استقللنا سيارتين، وانطلقنا صوب "جبيل"، المدينة المطلة على المتوسط، بعيدة عن بيروت 37 كيلو متراً شمالاً، شامخة عريقة قديمة حديثة على جدرانها تاريخ طويل وعريق، وقفنا عند الميناء وكانت الشمس تكاد تختفي وراء الماء، هبط الليل ومصابيح صفراء وضعت على جوانب الميناء تنير المكان على طول الطرقات الأثرية القديمة داخل المدينة، وقفنا على الشاطئ نلتقط الصور بجانب قلعة قديمة يعتليها العلم اللبناني، أراه يرفرف يعلن التحيّة لمن جاءوا يكتشفون خبايا وخفايا الاسم "جبيل".

نظرات متفاوتة في عمقها، وحوار مستمر مع خطوات متثاقلة لروعة المكان، لقطات الكاميرا ترسم لوحات فنية لا تعرف نشاز الرؤية والنظر. تتغلغل الخطوات إلى سوق جبيل، نتنقل في زقاقه الضيقة المضاءة بخفّة ورومانسية، أقواسه مرممة بحداثة راقية حافظت على معالم الماضي واحترمت فنون المؤسسين.

في السوق معرض كتاب، والمقاهي على امتداد طويل، على ابوابها وقف المرحبين، التقطت كتابين من المعرض وذهبت اركض خلف اصدقائي الذين يتأملون بصمت، وعلى محيّاهم ابتسامات تعكس مشاعر جميلة كلما التقت نظراتي مع عيونهم.

عند السابعة مساء قلنا وداعاً.. إلى مدينة البترون، الجو لطيف وقررنا الجلوس في مطعم على الشاطئ، وهناك أول حاجز أكسره في أكل "الاخطبوط"! المطعم معتم لولا أضواء القناديل الخافتة في كل زاوية، تبادلنا أطراف الحديث حول كل ما هو قادم، وفضّلنا تأجيل أي حديث في العمل إلى يوم غد حيث كان لنا أول اجتماع عمل.

قبل النوم تفقدت البحر وأنا على سريري القريب من باب الشرفة، سرقني النعاس إلى النوم، لأستيقظ على هدير البحر قبل بزوغ الشمس، نسمات باردة على وجهي لاصقت سطح البحر وأتت تنبهني، فتحت عيني وغازلت بيروت وجبالها وورودها وأمواجها وصباحها..

صباح كل من يستيقظ على نسماتك متفائلاً، صباح أمواجك التي تتزاحم شوقاً لتصل ترابك وتتنفس... صباح الوردة الحمراء المعلقة في كل زاوية وناصية تنادي بالأمل، صباح الوجوه التي تبتسم لك يا بيروت رغم أن لا شيء يدعو للفرح سوى الشعور بدفء ذراعيك، والنظر إلى جبالك حيث تشهق الروح بجمالك.. صباح مسافاتك القصيرة المشبعة بذاكرة التاريخ... وجمال آخر يرتسم فيك رغم المفارقات العجيبة، أن الأرواح تترفع عن كل شيء وتسمو لأجلك.. صباح الخير يا بيروت..

في بيروت "2".. اللقاء مع بداعة الروشة وساحة الشهداء وجبل لبنان