الحاج محمد عيسى عفانة أبو فتحي
عيسى عبد الحفيظ
عندما ألقيت الخطب الرنانة على قبره اثناء دفنه في تل, وأسبغوا عليه أعظم الألقاب, لكن جملة واحدة قيلت بصوت خفيض في ناحية من نواحي المقبرة, عبرت عن حال الفقيد خير تعبير "هو أفضل من ذلك بكثير".
كان الشهيد الحاج محمد عفانة قد حاز من الشهيد عبد القادر الحسيني قائد معركة القطسل على لقب أهم وأكبر من الشهيد عبد القادر الحسيني قائد معركة القسطل, حيث منحه لقب "عثمان بن عفان".
كانت حياته قصة ثورة شعب, وكانت قصة نهايته بطولية, فهو من مواليد عام 1929 في قرية تل المحاذية لمدينة نابلس من الجنوب. كان ميلاده متزامنا مع واحدة من ثورات الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال البريطاني والاستيطان الصهيوني وهي ثورة البراق التي كانت البداية لسلسلة ثورات متعاقبة منها ثورة عام 1936 بعد استشهاد المناضل السوري أمام جامع حيفا عز الدين القسام, الذي كان قد هرب من سوريا بعد ملاحقة الاستعمار الفرنسي له هناك, وجاء الى فلسطين ليحول المسجد الى بؤرة تجميع للمناضلين.
كان معلم الشهيد الحاج محمد القائد الثوري الشهيد عبد الرحيم الحاج محمد ابن قرية ذنابة قضاء طولكرم, الذي ضمه الى صفوف الثوار رغم صغر سنه, ثم انضوى تحت قيادة الشهيد عبد القادر الحسيني ويخوض معه عدة معارك أشهرها معركة رأس العبد, ومعركة باب الواد, ومعركة القسطل التي استشهد فيها عبد القادر الحسيني.
شهدت الفترة ما بين النكبة والنكسة خفوتا بالحركة الوطنية الفلسطينية التي كانت لا تزال تحت هول الصدمة من النكبة. اثناء تلك الفترة عمل الشهيد سائق تاكسي بين تل ونابلس, وبعد ان يحضر الخضراوات والفواكه يجلس في مقهى مجاور حيث يعيد سرد ذكرياته ايام الثورة. كان شريكه في السرد الحاج ابو محمود الألفي, الحداد وفني اللحام والذي تخصص بسبب مهنته في تصنيع القنابل والمتفجرات, والتي كان يقوم الحاج محمد عفانة بنقلها وتأمين وصولها للثوار.
التحق بعد النكبة بحركة القوميين العرب مع الحاج محمد عفانة, غير ان فعالياتها اقتصرت على النشاط السياسي والتعبوي, ولم تلجأ الى الكفاح المسلح الا بعد هزيمة حزيران 1967. بعد الهزيمة مباشرة التحق الشهيد بحركة فتح محققا قناعته الراسخة بأن الكفاح المسلح هو وحده الكفيل بتحرير فلسطين نظرا لخبرته السابقة في مقارعة الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية, فقد شكل نواة مهمة في جبل النار.
كما استطاع بناء تنظيم سري متماسك ونشيط وحقق انجازات عسكرية مهمة.
توفي عام 1967, فجاء الحاج محمد الى ابنه محمود الألفي قائلا له جملة واحدة "أنت خليفة أبيك, وكما كان أبوك شريكا في العمل فأنت سوف تحل مكانه".
كان انضمام ابنه محمود فوريا, وبدأ بتنفيذ المهمات الموكلة اليه بكل جدارة قافزا من مرحلة الطفولة الى مرحلة الرجولة مرة واحدة.
يستطرد الألفي قائلا: "أظن أن اختياره وقع علي بحكم معرفته بي وبوالدي صديقه في الثورة, ولكوني امتلك صنعة فقدها منذ زمن – الشباب كانت عنايته موجهة الى الشباب, هؤلاء هم وقود الثورة وحملة مشعلها كما كان يردد".
كانت مهمة الألفي الأولى بناء التنظيم وتشكيل المجموعات من طلاب المدارس والمعاهد والعمال. وبعد تأديته القسم حدد له المهمات بدقة تامة, الأمر الذي لم يكن صعبا خاصة بعد الانتصار الذي حققته الثورة في معركة الكرامة, ما دفع بالآلاف الى ادراك الحقيقة بأن العدو لا يمكن أن يهزم الا بالكفاح, وتنضوي الجماهير تحت راية الثورة بكل فئاتها الاجتماعية.
وخلال فترة قصيرة نسبيا استطاع الشاب أن ينظم ست مجموعات, وبعد اكتمال عملية الأعداد انتقل مباشرة الى المرحلة الحاسمة وهي التزود بالسلاح والتدريب والاعداد للعمل العسكري ووضع الخطط وتنفيذها. وكانت العملية الأولى هي مهاجمة مقر الحاكم العسكري في نابلس "شاؤول جدعوني" ثلاث مرات متتالية, وضرب مكاتب العمل بالرشاشات والقنابل, واغتيال عدد من العملاء وعلى رأسهم "ابو علي حيرون", وقصف معسكر دير شرف بصواريخ روكيت لانشر, وكانت معركة بيت فوريك في مطلع أيلول 1969 هي التي "وقعت فيها بالأسر".
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل