خربطتني الجرائد
محمد علي طه
شدّتني منذ سنوات ما تنشره الصّحف على صفحاتها، الأخيرة أو ما قبلها، من مواد عن التّغذيّة وعن الصّحة الجسديّة، فقرأت عن فوائد الخضروات والفواكه واللحوم ومضارّها وعن أهميّة تناول الأسماك وفوائد زيتها.
وإذا كانت معلومات الصّحف دقيقة وليست "حكي جرايد"، كما يقول النّاس، فقد صرت خبيرًا غذائيًّا وأعرف الفيتامينات في كلّ طعام كما أعرف أين يكمن الحديد أو الزّلال، ولكنّ هذه المواد الصحفيّة (ومعظمها أخبار مقتضبة وأحيانا مثيرة عن أبحاث أجراها علماء في مختبرات معاهد علميّة غربيّة) كثيرا ما تنسخ معلومات سابقة فتحيّرنيّ وتقلب معلوماتي رأسًا على عقب، فقد قرأت قبل سنوات عن مضارّ المحبوبة السّمراء والتّحذير من تأثيرها السّلبيّ على صحّة الجسم وارتفاع ضغط الدّم وغير ذلك فحاولت أن أتجنّبها أو أن أقلّل من شربها وفي الوقت نفسه تساءلت: لماذا لم يؤثر شرب القهوة على صحّة والدي وأترابه الذين كانوا يشربون فناجين عديدة يوميّا من القهوّة السّادة الثّقيلة؟! وأفتى لي جاهل بأنّ القهوة السّادة تفيد الجسم فهي تساعد على الهضم وعلى التّفكير وتفتّح الذهن ومعاذ الله أن تضرّ لأنّها دليل الكرم وحدّد العرب شربها بثلاثة فناجين على الأقلِّ: الأول للضّيف والثّاني للكيف والثّالث للسّيف. فقلت له: عاشت القافية ولا بارك الله في السّجع! ولكنّي قرأت قبل أيّام خبرا عن بحث علميّ جديد يحثّ على شرب القهوة وينصح بتناول ثلاثة فناجين يوميّا منها على الأقلّ ويعدّد فوائدها ويؤكّد على أنّها تخفض ضغط الدّم فعدت إلى الحبيبة السّمراء أطهوها وأضيف إليها الهال وأشربها مثنى وثلاث ورباع وأقول شكرا لجدّنا راعي الماعز اليمنيّ الذي اكتشفها على سفوح جبال عدن كما تنصّ الأسطورة.
وأظنّ، وبعض الظّنّ إثم، أنّ إحدى شركات صناعة الزّيت النّباتيّ اشترت قبل سنوات بحثا علميّا يحذّر من تناول زيت الزّيتون ويعدّد أضراره على صحّة الإنسان فابتعد النّاس يومئذ عن تناوله وتجنّبوا تناوله لسنوات دون أن ينتبهوا إلى أن آباءنا وأجدادنا تناولوه وقدّسوه وتباركوا به.. وما هي إلا سنوات حتى عادت الأبحاث تحثّ البشر على تناول زيت الزّيتون والتّداوي به. وهل هناك زيت في الدّنيا أطيب وألذّ من زيت الزّيتون مع اللبنة البيضاء أو مع الفول أو مع الحمّص، وهل نأكل الكبّة النّيّئة أو المجدّرة أو العلت مع زيت غير زيت الزيتون وهل نستطيع أن نتناول الزّعتر مع زيت الذّرة؟
نشرت أجهزة الإعلام قبل أسابيع عن ضرر تناول النّقانق والمرتديلا واللّحوم المجمّدة وأكّدت على أنّ تناولها يسّبب مرض السّرطان الخبيث، وأثّر هذا النّبأ على مصانع اللّحوم وعلى أسواقها ولا شكّ بأنه سيؤدي الى بطالة العمّال.. ولأنّني لا أتناول المعلّبات من لحوم وخضار وفواكه قلت: ليكن. لماذا يقبل النّاس على الطّعام السّريع الرّديء؟ ولأنّني وطنيّ جدّا"ع الموضة" قلت: لتقفل مطاعم الهامبورجر عن بكرة أبيها وليتخوزق الاقتصاد الأميركيّ فقد خوزقتنا السّت أميركا منذ عقود وسرقت خيراتنا وحرّيتنا. ولكنّ أجهزة الإعلام "زادتها" فقد نشرت قبل أيّام بأنّ البطاطا المقليّة التي "فرنجناها" وسميناها "تشيبس" تسبب السرطان. قلت: هذه كثيرة والله. أنا لا أحبّ البطاطا مقليّة ولكن ماذا أقول لأحفادي الذين يتناولونها بشهيّة في كلّ وجبة!
خربطتني الجرائد وسرقت شهيّتي فقرّرت أن "أمسك رأسي" وأعود إلى القديم، إلى طعام أمّي، إلى المجدّرة والشّلباطو والشّيخ برك والعلت والخبّيزة والشّومر والعكّوب والزّعتر وزيت الزيتون فلا تصنيع ولا تعليب ولا مواد كيماويّة ولا تخمة ولا حرقة، ومن لا قديم له فلا جديد لديه، ومعذرة من ابنتي ومن كنّتي ومن السّيّدات العصريّات النّواعم بنات هذه الأيّام.!
مواضيع ذات صلة
غزة بين الإدارة الدولية للأزمة ومفارقة "التعافي المعيَّق"
"حصة التوأم" من خريطة نتنياهو الجديدة!
د. إحسان عباس
تانغو حماس نتنياهو تطرف إسرائيلي ونكبة فلسطينية
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل